| خيبات
الطفل العاشق حياة بلا حياة غصتي مع الحياة |
| البروفسور
د. عبد الإله الصائغ |
خيبات
الطفل العاشق حياة بلا حياة غصتي مع الحياة
الحلقة الثانية و الحلقة الاولى لغز
محاولة اغتيال دكتور فاضل الجمالي في النجف البروفسور
د. عبد الإله الصائغ
الشيخوخة هي ان يحل الأسف
على ما فات محل الأمل بما هو آت .
جون برايمون
ما كان في نيتي ان ختزل حلقات متسلسلة من
مذكراتي واتحدث عن عملية الاغتيال الفاشلة التي طالت
المغفور له الدكتور محمد فاضل الجمالي ثاني اكبر شخصية
سياسية عراقية بعد نوري باشا البغدادي ( السعيد ) والسياسي
الشيعي المخضرم !! لو لم يصدر كتاب الراحل الأستاذ احمد
فوزي ( اشهر الاغتيالات السياسية في العراق ) فيه معلومات
مضللة غير صحيحة عن محاولة الاغتيال هذه وقد جعل المؤلفُ
احمد فوزي رحمه الله محسن جبر الحمداني وهو رجل يعمل لصالح
الشعبة الخاصة – الأمن – في النجف مخططا لمحاولة اغتيال
فاضل الجمالي في نادي الموظفين في النجف الأشرف مساء
11آذار 1958 !! وهذا الجعل ميسم ظلم لايحسن السكوت عنه إن
لم اقل علامة افتراء وتدليس !! فالحمداني كان المخبر عنا
فقط والمزروع بيننا !! وهكذا اجدني مضطرا الى هتك سر محسن
الحمداني وتفكيك هذه المحاولة الغريبة التي مازالت اقبية
الأمن العامة محتفظة بوثائقها ولم يشر اليها احد سوى احمد
فوزي وبشكل ينم عن عدم علمه بشيء حقيقي عنها !! وكان دكتور
فاضل الجمالي حريصا على التعتيم عليها لأسباب تتعلق في
رأيه بخذلان اهل النجف بخاصة والشيعة بعامة لمشروعه الشيعي
الذي اراد به مواجهة مشروع نوري السعيد السني !! وفي زعمي
ان الجمالي الشيعي لم يخلص للشيعة ونوري سعيد السني لم
يتقيد بالمذهب السني ولكن للسياسة مسوغات لاشأن للمذاهب
بها ! حقا لا اعلم لماذا طوى النسيان هذه الحادثة
التاريخية التي هزت العراق وقتها من اقصاه الى ادناه ولم
يتحدث عنها صيادو الأخبار المثيرة او مؤلفو الحوادث
الشهيرة ؟
..... يوم 11 آذار من كل عام اتذكره
جيدا فهو يوم مهم بالنسبة لي لأني ولدت في مثل هذا اليوم !
من 1941 وبعد سبع عشرة سنة في 11 آذار 1958 دخلت مأزقا ما
كان لي ان احرر رقبتي منه لولا انقلاب 14 تموز جولاي 1958
!! تبدأ الحكاية هكذا : كنت جالسا ذات مساء كئيب في مقهى
السيد علي الياسري ( مقهى القوميين ) المطلة على شاطيء
الفرات في الكوفة مصغيا لخرير الماء ممزوجا بدخان شواء
التكة والكباب الآتي الينا من الرصيف المحاذي للمقهى تارة
! والى صديق ظريف كنا نسميه ( ابو العِرِّيف ) وآخرون
يسمونه جاسم حكومة ! وهو قريب السيد علي صاحب المقهى
والشخصية القومية المعروفة بخلقها وتهذيبها تارة اخرى !
كانت مقهى السيد علي صورة للتسامح العراقي فيزورها القومي
والشيوعي والمستقل قبل ان يظهر البعثيون الفاشيون على
الساحة السياسية ! جاسم حكومة شخصية مختلفة وطيبة ومضحكة
ايضا , ففي حين يتشاءم السيد علي من جلوس أي رجل من السلطة
في مقهاه كان جاسم يفتخر بصداقاته مع الحكام وهو قادر على
مصادقة رجال الحكومة الكبار ( كذا ) من مديرالناحية (
العذاري ) ومدير المستشفى ( الشهرستاني ) ومأمور مركز
الشرطة ( معتوكَـ ابو شوارب ) ورئيس بلدية الكوفة ( نعمان
امين كرماشة) ! كان جاسم ابو العريف يفلسف الامور فلسفة
غوغائية طريفة للمثال :فهو يستطيع ان يجادلك في ان تردي
الاوضاع ليس سببه دهاقنة السياسة عملاء المستعمر ! بل سببه
الأوحد هو دعوة الحسين الشهيد على اهل العراق ! وان جمال
عبد الناصر ليس دكتاتورا وانما هو رب الديموقراطية ( كذا )
ولأنه قومي فطري خريج مدرسة المذيع المصري الكذوب احمد
سعيد فقد كان جاسم موقنا بعبقرية جمال عبد الناصر لأنه
استطاع ان يضحك على امريكا ايزنهاور والاتحاد السوفيتي
خروجوف وانتصر على اسرائيل موشي دايان وبريطانيا انتوني
إيدن وفرنسا كَي موليه اعمدة العدوان الثلاثي على الشعب
المصري العملاق ( كذا ) كان يقول عن عبد الناصر مقولات اظن
ناصرا لم يقلها ثم ينسب اليه افعالا اجزم ان ناصرا لم
يفعلها ومرجعيته في ذلك كما قلت هرطقات اكذب إعلامي في
التاريخ احمد سعيد مذيع اذاعة صوت العرب المخربة التي
اسهمت في خلق اجيال متخلفة حضاريا وسياسيا واحمد سعيد الذي
ضلل اجيالا تقاعد مع الاسف وعاد الى بيته كأن شيئا لم يكن
فلم تطالب اية جهة بمحاكمته لتضليله الشعوب العربية
المظلومة واتضح ان اول ضحايا اكاذيبه الاعلامية وتضليله
الساذج هو جمال عبد الناصر نفسه واعمدة سلطته الهشة ! جاسم
حكومة ولهان بحب ناصر فهو يزعم لنا انه أي جاسم حكومة يعرف
عن عبد الناصر كل شيء واذا ساورنا أدنى شك بمعلوماته همس
لنا بثقة معتوه ظريف ( يمعودين كفيلكم الله هذي معلوماتي
من الحكومة !! ) كانت طريقة جاسم حكومة الأهليليجية
الهمايونية في تعليل الأحداث وتحليلها وتأويلها سببا في
طرد السأم والملل عن نفوسنا ! وخلق مجال للسخرية والضحك
فجاسم حكومة مثل الفلم الهندي لا يسرك ان تراه ولكنك اذا
رأيته يستفز اهتمامك بالمبالغات المفبركة وعجائبية
الواقعية السحرية !! فجأة يدخل علينا المرحوم السيد علي
القصير ( انسان بسيط جدا طيب السريرة قصير القامة فيه شيء
من الحول غيرالمخل يبدو بملابس الريف التقليدية دائما :
كوفية وعقال ودشداشة ونعال ابو التاير وجاكيت ! يشتغل
مراقب عمل ! يحب عبد الناصر ويراه القائد القومي المعجزة !
دخل علينا مرتبكا وتلفتُّ يمنة ويسرى كالمتوجس وهذه طريقته
المألوفة لدينا ثم قال بما يشبه الهمس : ياجماعة تره نجحت
المحاولة و فاضل الجمالي والمرافقين مع المتصرف والقائمقام
تعيشون انتو !! قالها بما يوحي لنا ان القصير يعرف كل شيء
عن اسرار محاولة الاغتيال وخفاياها ولكنه في الحقيقة لا
يعرف شيئا ومن اين له ان يعرف وهو بهذه السذاجة !! فقال
زكي سعيد فضل وهو معلم قومي مسالم يرتدي معطفا مطريا بحزام
ويحمل مظلة بيده صيفا وشتاء ! وهو شقيق شيوعي معروف يساكنه
البيت نفسه لكن زكيا كان محلل اخبار من طراز ثقيل وغالبا
ما يقدم افكاره بحجم البرقية وبطريقة الشفرة ( الأستعارة )
قال وهو يبحلق عينيه ويعتدل في جلسته وهذه طريقته المعتادة
في التعبير عن برمه واحتجاجه : لتفرحون يمعودين تره ايروح
جلب يجي جلب !! كنتُ مستغرقا في أخيلتي الكابوسية فأنا
اتطير من فكرة الإغتيال واعتبرها علامة جبن لايمكن تسويغها
! كنت مشغولا باللاشيء بحيث لم اشعر حين ضحك اصدقائي من
انشغالي واهتمامي وقالوا بسخرية : بس لا يكون الصايغ
سوّاها واشترك بالإغتيال ! انتبهت اليهم متأخرا وضحكت معهم
دون ان افهم شيئا ! واستأذنتهم ثم تركت المقهى على عجل
ميمما وجهي صوب البيت وانا مضطرب ! كانت دراجتي الهوائية
تمخر شارع النهر شبه المعتم فمررت بمقام النبي يونس ومنه
انعطفت الى محلة السكة ( داون تاون الكوفة ) مجتازا محلة
السراي الجميلة فوجدت الناس يتجمعون ويتهامسون وعلمت انهم
يتهامسون حول محاولة اغتيال فاضل الجمالي ! وان الشرطة
اعتقلت المضمد الشيوعي صاحب حنحون ومحله في السكة ! طريقة
الشرطة ان تعتقل أي مشتبه به فإذا ثبتت براءته اطلقت صراحه
! صاحب حنحون معتاد ان يعتقل في كل مناسبة وطنية او دينية
وهو صديق اخي عبد الأمير وصديقي ايضا !! فازددت اضطرابا
وشققت طريقي بمشقة وبلغت بيتنا المقيم على الطريق بين محلة
السكة ومسجد الكوفة بيتنا المتاخم لمغتسل الموتى لمالكته (
حجية شكحة المغسلجية ) بحيث تتناهى الينا روائح جثث الموتى
حين تتفسخ كلما نمنا في السطح او فتحنا النوافذ ! كما
يتناهى الينا ليل نهار عويل ذوي الموتى فتنقبض نفوسنا !!
دخلت البيت فاستقبلتني الزرقاء امي العظيمة كانت هلعة
وعلمتُ ان مجهولا لم تره من قبل حذرها وطلب اليها ان تخفي
عبد الإله حتى تنجلي الامور !! لم استطع النوم في ذلك
الليل الكامد فقد اشتجرت في راسي الاحتمالات وتراكمت
الهواجس فإذا كارب الفجر غفوت لكي اتعرض الى كوابيس مدمرة
تجعلني اتصبب عرقا واعاني الاختناق وغالبا ما كنت اراها
كما هي دون تحوير ! منذ نعومة أظفاري ! تذكرت تحذيرات
الشخصية النجفية المعروفة بالقتل والمروءة في وقت واحد !
تذكرته بملامحه التي تشبه شباب فريد شوقي وهو يغمز لي بابا
عبد الإله اتهدة بابا بعدك زغير شمفهمك بالسياسة ! شتعرف
من الأحزاب ! ترة اصدقائي بالشعبة الخاصة يذكرون اسمك
امامي ويكَولون عبدالإله الصائغ نشط وهو اللي قاد مظاهرات
1956 وعمك عبد ابو دراغ يدافع عنك ! بابا عبد الإله دير
بالك على نفسك !! إ.هـ ...... وكالعادة استيقظ في الصباح
لكي اشتري الخبز لبيتنا ولبيت جارنا العلامة الشيخ حسن
الخنيزي القطيفي نور الله ثراه فقد كان صديقي رغم فارق
السن الحاد بيننا فأنا بطبيعتي لا احب صداقة الشباب بعمري
وهو كما اخبرني لا يحب صداقة الشيّاب مثله ! وكان رحمه
الله شقيق عبد الله الخنيزي المؤلف السعودي المناضل الذي
الف كتاب ابو طالب مؤمن قريش فاصدر رجال الوهابية في
السعودية حكم الاعدام فيه ولم ينقذه من حبل المشنقة المحقق
سوى شاه ايران محمد رضا فهلوي الذي حط بطيارته في السعودية
ولم يغادرها الا ومعه الشيخ عبد الله الخنيزي ! اما الشيخ
حسن الخنيزي مفتي القطيف فهو زوج العلوية الفاضلة ملوك خضر
ابنة عميد المنبر الحسيني السيد خضر القزويني وشقيقة
المطرب الكبير ياس خضر القزويني وشقيقة العلوية ام لطيف
زوجة المغفور له العلامة الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء قدس
سره ! ووالد كل من رؤوف الخنيزي المتهم بالشيوعية ووالد
الشاعر عبد الواحد الخنيزي !! هذا العلم الكبير كان جاري
وصديقي الحميم ومثابة ابي فكيف يكلفني بشراء الرغيف لهم
صباحا ولا اهش وابش لتكليفه الجميل !! انطلقت بدراجتي صوب
محلة السكة لكي اشتري خبزا كان الوقت قبل شروق الشمس بقليل
فاذا فاتني ( السِّرَة ) ووصلت متأخرا حرمت من الخبز طيلة
يوم كامل لكن الافق مضيء بما يكفي لكي ارى الصديق نعمان
ابو شبع عائدا وبيده الخبز وقد استوقفته سيارة شرطة مسلحة
تستفسر منه عن شيء ما !! فوقفت معهم بفضول الصبيان وسمعتهم
يسألونه عن بيت عبد الاله الصايغ فنظر الصديق نعمان اليَّ
نظرة فيها طيبة وتعاطف وقال للشرطة بمكر شديد مشيرا اليَّ
بما افزعني : هذا الولد يعرف عنوان عبد الإله ايضا واردف
قائلا بعد ان طرد عن الشرطة أي شك بشخصيتي : بيت عبد الاله
الصايغ من هناك وهو قريب من قصر الملك على طريق مسجد
السهلة !! فانطلت حيلته على الشرطة فانطلقت سيارتهم باتجاه
طريق مسجد السهلة الذي سيصلون اليه بعد عشرين دقيقة ! وحين
ذهبت الشرطة شعرت بالذهول ونسيت حتى ان اشكر نعمان شبع وهو
تربي في العمر وبيته يقابل بيتنا وهو ايضا شقيق الشخصية
الكوفية الرياضية المحبوبة المعلم عبد الوهاب ابو شبع !
هرعت الى الزرقاء واخبرتها ان الشرطة تسأل عني فكاد ان
يغمى عليها من الهلع والخوف وربما خمشت خدها فهي تخاف
الشرطة خوفا مرضيا فهي اذا رأت شرطيا في الطريق غيرت
طريقها لتتفادى نظراته اليها او نظراتها الى شكله الكابوسي
! وكم مرة حدثتها نفسها ان تهرب إذا نظرت شرطيا مقبلا
عليها !! هاهم الشرطة يسألون عن فلذة كبدها عبد الاله !!
على عجل قلت لها ماما انا ذاهب الى محل السيد ناجي السيد
مجبل الشريفي ( ابو الكَواني ) !! فهزت راسها موافقة وهي
اسيرة شرود مدمر بسبب الخبر الذي زففته اليها !! اما السيد
ناجي فهو الذي يمثل دور شبيه العباس ايام عاشوراء! الشخصية
الحسينية المعروف بأنه شيوعي متدين جدا ! ( تحدثت عن السيد
ناجي ابو الكَواني مفصلا حين رثيت الدكتور احمد الوائلي في
مقالة بعنوان احمد الوائلي يلتحق بالملائكة ) كان محله
مقابلا للشط أي في نهاية السوق الرابط بين السكة ومحلة
السراي وشارع الشط ومكانه ستراتيجي فهو يتوسط معامل الجرش
والطحين وسفن الحمولة البخارية التي تحمل كل واحدة منها ما
لايقل عن مئة طن شعير او حنطة او رز ! او تمر ويتوسط
النقاط الشيوعية لكي يسهل عليها وعليه ايصال التبليغات
والمناشير الى رفاقه ! وعلى دراجتي ايضا وصلت الى السيد
ناجي وهو استاذي ومعلمي وصديقي ! وبسرعة فهم محنتي وتعاطف
معي ولسان حاله يقول انا ورطت عبد الاله !! فاخذ دراجتي
وانطلق بها الى بيتنا لكي يخفي صندوقا فيه سجل الذاتية
الحزبي كان يستودعه عندي في غرفتي مع انني لست شيوعيا !
كما يخفي أي ورقة يمكن ان تكون وثيقة اتهام ضدي ! وصل
البيت قبل مجيء الشرطة وحمل معه الصندوق والاوراق واعطاها
الى جارتنا الفاضلة العلوية ام عماد القزويني وافهمها
ضرورة عدم لعب ابنها عماد واخته بها وضرورة عدم اطلاع
سماحة الشيخ الخنيزي عليها !! فقالت له اطمئن سيدنا ! وعاد
اليَّ ليخبرني ان الشرطة لم تعثر على اية وثيقة او ورقة
يمكن ان تكون دليل اتهام ضدي ! ثم اخذ يفكر في مصيري فهو
صاحب قلب كبير وحنون !! اين سيخفيني ! اخذني الى بيته في
النجف بشارع المدينة قرب حمام الحاج صالح الجوهرجي صاحب
ضياء الصالحين وقد حول الحمام العصري الى قسم داخلي لطلبة
العلم والحقه بجامعه الكبير ! وصلنا بيت السيد ناجي مساء
وان هو الا وقت يسير حتى احضر العشاء البسيط الذي يشكل
الكراث والريحان والبصل والخبز واللبن الدوغ الشنينة اكثر
من نصفه ! وكشفت للسيد ناجي انني لم اتناول افطاري ولا
غداي ولكنني لست جائعا ! فضرب يدا بيد وبكى وضمني الى صدره
! وحرص على ان املأ معدتي بمزيد من الطعام !! انتهينا من
العشاء وفرش لي الفراش في غرفة الاستقبال وامرني ان انام
فامتثلت لطلبه وقد احسست بالأمان والدفء العراقي !
واستسلمت لسبات عميق اما السيد ناجي فقد ركب الى الكوفة
بسيارة قريبه ابو ضياء السيد هادي نجل السيد هاشم الشريفي
الرادود المتاخم لبيتنا في النجف مباشرة !! وذهب الى بيتنا
الكوفي ليجلب معه امي العظيمة الزرقاء وبعض حاجياتي التي
احتاجها مثل الدشداشة والنعال والخاولي وبعض الروايات
البوليسية ! في الصباح فتحت عيني على صوت عبد الباسط
يجوِّد ما تيسر من سورة مريم ورايت امي المسكينة ووجهها
مصفر وعيونها حمر وشفاهها زرق ولعلها خمشت خدها فثمة خيوط
دم متيبس على خديها ! تعانقنا وبكينا معا ! قالت للسيد
ناجي هذولة الشرطة ميخافون الله ليش هو ابني اشكَد عمره
حتى يشترك بقتل فاضل الجمالي ! فمازحها السيد ناجي وقال
لها كم عمر عبد الاله ؟ فأجابته بثقة انه زعطوط شمعرفه
السياسة ! سباطعش سنة عمره وجدك رسول الله سيد ناجي ! فقال
لها وهو مازال يمزح ويغمز لي بعينه غمزة ذات معنى : ام
السادة تره آني اتزوجت وعمري سطعش سنة ! وقرر السيد ناجي
عدم الذهاب الى محله في الكوفة هذا اليوم لكي يخفف عني
ويبث الثقة في نفسي ! وكان قد كلف صديقه ابو زهرة وهو حمال
كوردي فيلي بالجلوس في محله لتسليم الأكياس الجاهزة الى
اصحابها ! وكان سوق العمل الكوفي غاصا بالحمالين الفيلية
ذوي العضلات المفتولة والقوى الرهيبة في حمل الاشياء
الثقيلة واكثرهم لاجئون و شيوعيون ومشردون ومراقبون من
جواسيس الشعبة الخاصة !! سمعت امي تقول للسيد ناجي : ان
مدير الشعبة الخاصة في النجف واسمه ابو عمر وهوبغدادي احول
وطويل القامة وماكر جدا ! قال لأمي والعباس ابو فاضل انشا
الله اكَمع ويلادي اذا اكذب عليج ! بس يجي عبد الاله الى
السراي ويقول انا عبد الاله وانا بريء مو مذنب فسوف نطلق
سراحه وتأخذينه بيدك ياوالدة ! وقال لها انني بكيت على
حالك يا والدة واعرف شعورك واعرف ان ابنك صغير في العمر
وبريء لكنني موظف واؤدي عملي فقط حتى اعيش فإذا سلم ابنك
نفسه استطيع مساعدته وإن اختفى ولم يسلم نفسه فهذا يعني ان
عبد الاله متورط ويه الجماعة ! امي كانت مقتنعة بصدق ابو
عمر وكانت تسميه الجاسوس كعادة العراقيين مع أي متعاون مع
الشعبة الخاصة في العهد الملكي ! وكان الواحد منهم حين
يطرق أي باب ويقولون له منو فيجيبهم انا الجاسوس صاحب
الشمس مثلا او انا سيد حسين العذاري السري ! ومعنى السري
هو الجاسوس ! السيد ناجي قال لها يا ام عبد الامير (وهذا
هو اسم اخي الكبير اطال الله عمره وعافاه !) هذولة
الجواسيس ما عدهم حجاية صدكَـ !! لتتورطين وتسلمين ابنك !
ديري بالك زين ! تره تهمته إثكَيله حيل ! كنت اصغي الى
الحوار بين السيد ناجي السيد مجبل الشريفي ووالدتي الزرقاء
ابنة المرشد ( الشيخ محمد حسين زيارة ابو اصيبع ) اصغي لهم
ببلاهة كأن الأمر لا يعنيني فحين يفكر حبيبك عنك ويحمل همك
دونك تشعر بسعادة غامرة وتلوذ بحنانه وهو شعوري نحو السيد
ناجي ووالدتي ! وفي اليوم الرابع بعد اختفاء والدتي
واختفائي بلغنا اخي عبد الأمير ان ابو عمر دخل بيتنا في
الكوفة وهدد باعتقال اخي الصغير محمد ( الدكتور محمد فيما
بعد ووالد الشاعرة نورا الصائغ ) واختي الصغرى حياة !
والسؤال هو لماذا وفق تصريح عبد الامير يهدد ابو عمر
باعتقال محمد وحياة وهما صغيران ولا يهدد باعتقال اخي
الكبير عبد الامير مثلا ؟؟ اظن ان اخي اراد ان يبتز امي
بشيء ما !! فهو شخصية لا تبالي بما يدور حواليها !! فدب
الهلع في قلب امي رحمها الله لانها مجنونة بحب اخي محمد اذ
ان عمره عام واحد واصبح يتيم الاب وكان يشق عليها انه لا
يتذكر اباه ! ومحمد هو اصغرنا سنا بالنسبة للزرقاء فهو (
بزر الكَعدة وبزر الشيب لو حبيته ماكو عيب وتطلق عليه
الزرقاء لقب الملك محمد ) ! والناس يقولون آخر العنقود !
وكم شعرت ان محمد الصغير كان يستأثر بحنان امي وحنان
اخواتي بدرية وحورية ( ام الشاعر عدنان الصائغ ) وحياة !!
ويستأثر بحنان اخي عبد الامير ! وحنان الضيوف دوني ! وفي
صباه استأثر بحب بنات المحلة دوني انا !! لكن حكمة الدم
عظيمة فها انا اعشقه واذوب في حبه ! المهم مللت من الحوار
بين امي وابي الروحي السيد ناجي ! قررت امي وسيد ناجي
تسليمي للشرطة ! ان يذهبا معي الى السراي لكي اسلم نفسي
على امل ان يفي ابو عمر بوعد الشرف الذي قطعه للوالدة !
وهكذا وصلنا مركز الشرطة او السراي وكان جزءا من سور النجف
القديم متاخما مطبعة القضاء لصاحبها السيد ابراهيم الفاضلي
العمة السوداء التي أُثيرت حولها الشبهات الخطيرة
!!ومجاورا لشارع الهاتف الذي حمل هذا الاسم الرومانسي
تيمنا بجريدة الهاتف الشهيرة التي كان يشرف عليها رائد
القصة العراقية والبحث الميداني الزعيم العراقي الاستاذ
جعفر الخليلي وكان هذا الشارع في اصله جزءا من مقبرة النجف
لكن المدينة بعد تجاوز السور القديم بدأت تزحف حتى ازدردت
المقبرة الشرقية بشارع الهاتف وحديقة فيصل الثاني والاحياء
الجديدة ! السراي بناية قديمة ربما منذ تأسست النجف وفيه
احدى قولات السور القديم وقد هدم فيما بعد كما هدمت نقرة
السلمان وسجن بعقوبة والكوت ! وصلنا السراي مع غروب الشمس
: السيد ناجي بقامته الطويلة وجسمه الضخم وداء الرعاش فيه
يمسك بمعصمي الواهن ويده ترتجف وكانت امي تمشي خلفنا وهي
تنخي اهل البيت وتنفخ ثم تتضرع للأسياد لكي يحموني واخرج
من المحنة سالما ! وحين وصلنا مركز شرطة السراي ودخلنا
غرفة ابو عمر مسؤول الشعبة الخاصة وعلم ان الطير وقع في
الفخ على حد تعبيره تغيرت ملامحه واشقوقلت عيناه اكثرفاكثر
وصرخ بصوت كأنه زئير : اغلقوا باب السراي امسكنا المتهم
عبد الإله الطير صار بالقفص ! وسمعنا صوت الشرطة يقولون :
عونك سيدي اغلقنا البابين الكبير والصغير ! ثم اخرج عصاه
الكبيرة المضفورة الضخمة وكان في حالة هياج وانهال بها
ضربا على راسي وبطني امام امي المسكينة التي اغمي عليها من
هول المنظر وامام السيد ناجي الحر الأبي والمناضل المتخفي
! وحين قال له السيد ناجي يمعود دير بالك تره هذا طفل عضمه
خالي ليموت بيدك وتبتلي ! فتركني ابو عمر لالتقط انفاسي
لكنه استدار فجأة وانهال بعصاه الغليظة على السيد ناجي
بقسوة لا مثيل لها فسقط عقاله فاصابه الهوس لان العقال
عنده معادل لكرامته الوطنية والهاشمية وهكذا امسك السيد
ناجي بعصا ابي عمر مما اطاش صواب ابو عمر فاستنجد بالشرطة
فدخلوا وبأيديهم القرابيج يضربون بلا تفاهم ليرضى عنهم
المدير وهكذا نال السيد ناجي والوالدة ضرب لئيم بالعصا !
وحلت المشكلة بطرد والدتي والسيد ناجي خارج السراي وادخالي
غرفة الحجز ! دخلتها فسمعت من يقول لي ها جابوك !! فالتفت
لأرى المناضل شمسي الكرباسي الطالب الثانوي ورضا الشمرتي
وهو رجل يبيع الملابس في مطلع السوق الكبير بمحل لا تزيد
مساحته عن المتر طولا ونصف متر عرضا بحيث يجلس هو على كرسي
خارج محله وصالح الطريحي الشيوعي الخبير بالحجز والتوقيف
وحاله في النجف كحال صاحب حنحون في الكوفة وآخرين ! وكانت
حالة شمسي الكرباسي لا تبشر بخير فالدم يجري من كل بقعة في
جسمه من اثر التعذيب وهو ينشد ( سنمضي سنمضي الى ما نريد
وطن حرٌ وشعب سعيد ) فيثير حفيظة الشرطة ليدخلوا غرفة
الحجز ويتبعوا العقاب الجماعي ! انا الآخر كان الدم ينزف
من راسي وانفي ! جلست فتحلق حولي المقبوض عليهم بتهمة
اغتيال فاضل الجمالي ! وعددهم ثمانية كلهم شيوعيون ما عداي
فانا لم اكن منتميا للحزب الشيوعي وكان الشيوعيون اصدقائي
وكذلك الإستقلاليون القوميون الطيبون ! الشيوعيون كنت
صديقهم منذ مدرسة غازي الابتدائية فكان المعلمون الشيوعيون
يأخذوننا سفرات الى الجدول ( منطقة بحر النجف وهناك بين
الطارات يشرحون لنا نحن طلبةالابتدائية مباديء الحزب
الشيوعي وكان الجدل على اشده مع الاسف بين جماعة الراية
الشغيلة وجماعة القاعدة حتى يصل الامر الى العراك باللكمات
والكلات وربما السكاكين ! لكن الخلاف في اغلبه حواري
بيزنطي بأفق محدود ومغلق ! وكانت كفة جماعة الراية الشغيلة
اكثر تأثيرا في الطلبةالصغار ! المهم تناولت العشاء وهو
نفر كباب من مطعم البربري الشهير جدا فاستسغت طعمه واكلت
ثم شعرت برغبة في النوم فغفوت رغم ان الغرفة كانت مدخنة
بسبب كثرة المدخنين وعدم وجود نوافذ مفتوحة في الغرفة !
ورغم الصخب المدمر للاعصاب ! ثم نودي علي فسمعت المعتقلين
يقولون للشرطي خطية خلي نايم نزف دم لما عجز ! فقال لهم
الشرطي واغلب الشرطة عهدذاك اميون وقرويون فاشلون في الريف
والمدينة ومعطوبو النسب والمحتد ولغتهم غاية في البذاءة
قال الشرطي معلقا على كلمة خطية ( كس المطية – كذا !! )
واقتادوني الى غرفة طبع الاصابع وذهلت حين رايت صديقي
الشيوعي والمصور المعروف زهير شكر هو الموظف المكلف بتصوير
وجهي من ثمانية جهات والمكلف بطبع اصابعي ولعلهم وضعوه في
هذا الموقف المذل لكي يذلوا به الشيوعيين واصدقاءهم !
المهم حدجته بنظرة احتقار فقال لي معتذرا والله اخ عبد
الاله اجبروني على هذا التصرف ارجوك صدقني ! ولم اقل له
ازيد من( انت جبان) وفكرت ان زهير شكر يتحمل تبعات كل ما
نالنا بسبب جلوسنا في محله وكلامنا الصريح في السياسة
ومناصرة المناضلين اليساريين ! هل كان يسجل كلامنا ويسلم
صورنا الى الشعبة الخاصة او كان كما زعم مجبرا على هذا
العمل المذل المهين !ِ اغلب الظن ان زهيرا طيب السريرة ولم
يخن ولكنه هان !! اجريت ما هو مطلوب مني وشعرت انني اودع
زمن الصبا والأمن والعائلة فسوف تلاحقني لعنة الشعبة
الخاصة ما حييت ! هذا اذا سلمت من حبل المشنقة فتهمتي ترقى
في القوانين الملكية الى الخيانة الوطنية وهي تهمة جائزة
لكل من يريدون التخلص منه من العراقيين النجباء ! ولاحظت
ان الشرطي غير الطريق وسار بي نحو شجرة توت ضخمة وحين
اقتربنا منها لاحظت كراسي وكلبشات وعصي وصوندات وابريق ماء
يغلي وتحته ( بريمز ) واشياء اخرى لم اتبينها ! فاصعدوني
على الكرسي وشدوا معصمي بكلبجات امريكية منعت فيما بعد كما
يقال ! وهي مسننة من الداخل كأنها مخالب نمر ! وشدو معصمي
المكلبجين بغصن متين من الشجرة وسحبوا الكرسي من تحتي !
فشعرت بوجع فضيع وفوق طاقة احتمالي ! فصرخت متوجعا عمي
الشرطي انت ماعندك ولد بعمري عمي دخيلك ! فقال لي بشفقة
كاذبة : شبيدي عليك عموانه عبد مأمور اقوم بواجبي ! بعد
وراك حصبة وجدري ! بعد وراك قلع الاضافر وبعد وراك الماي
الحار انته ليهسة بعد ماشفت شي ! لا ادري كم لبثت واصابني
الاغماء فلم اعد اشعر بوجع او حياة حتى ويبدو ان راسي
التوى فظنوا انني ميت فانزلوني ففتحت عيني وعرفت انني في
رحمة من ليس لهم رحمة وفي ذمة من ليس بهم ذمة ! واعادوني
الى غرفة الحجز كأني جثة بلا روح وقد نال مني الاعياء حيزا
كبيرا كان كل المحجوزين نائمين فقد اكملوا حصتهم من
التعذيب قبلي وناموا فهم يشخرون ! شمسي الكرباسي كان يقظا
ينتظرني ! وما ان ذهب الشرطي حتى زحف نحوي واعطاني مفصل
دهن كي ادهن جسدي ففعلت وشكرته فشعرت براحة كبيرة ولعل هذا
الدهن المساجي يتضمن مادة مخدرة موضعيا لأنني لم اشعر بعد
المساج باي تعب او وجع وحين رآني استرحت ضحك بمرارة ! وقال
لي هامسا : الكلب القذر محسن جبر الحمداني وراء حملة
اعتقالنا واعطاء اسمائنا للشعبة الخاصة ! ثم همس لي شمسي
بثقة عالية : عفية عبد الاله عفية قمت بعمل جبار فاضل
الجمالي مجرم وحقه ان يموت ! فاضل الجمالي يلعب على الوتر
الطائفي القومي ! ثم صمت شمسي الكرباسي وسألني مهموما :
ليش ماخبرتوا الحزب بالعملية ؟ كان ضروري ان تخبروا الحزب
وتاخذوا رايه قبل ما تقومون بعملكم البطولي !! للحظة برق
في مخي ان المناضل شمسي الكرباسي ربما هو مزروع معنا من
قبل الشعبة الخاصة كي يطلع على اسرارنا بشكل حاذق ومباشر !
فنهرته وقلت له موعيب اتبوكَـ لساني ؟ قابل آني زعطوط !
شوف شمسي آني ما إلي أي دخل بعملية الاغتيال !! ففطن
الرائع شمسي الى اوهامي وعرف انني بدأت اشك فيه ! فحدجني
بنظرة عاتبة وكان العزيز شمسي الكرباسي اجمل شاب تراه
العين في النجف ويبدو انه سليل عائلة ثرية ! لذلك كان ابو
عمر يوصي الجلادين بمضاعفة تعذيب شمسي كي يعلم اهله
ويرسلوا مبلغا مهما لابي عمر كرشوة وكانت الرشوة لغة
التفاهم الاكثر انتشارا في العهد الملكي ! ولكن كلام شمسي
معي واستغرابه منا لعدم اخبار الحزب اكد لي ان محاولة
الإغتيال لا دخل للحزب الشيوعي بها ! نمنا ولم نستيقظ
صباحا ولم يوقظنا الحراس لسبب بسيط هو ادخار افطارنا فتكون
وجبات الطعام ثنتين بدلا من ثلاث وجبات ! لتكون وجبة
الغداء حلالا عليهم وعلى عوائلهم !! وفعلا استيقظنا في
اوقات متقاربة وبسرعة جلبوا لنا الغداء وقالوا كلوا طعامكم
! تناولنا الطعام بمشاعر متضاربة فلا احد منا كما يبدو
يعرف بشكل اكيد عمن اخبر الشعبة الخاصة عنه ! وليس لدى
الجميع فكرة عما يحدث خارج الحجز !! كان هذا اليوم هينا
علينا فلم نؤخذ للتعذيب ولكن التحقيق استمر معي لساعات ولم
يخرج المحققون بسوى ان لا شيء لديَّ لأعترف به ! وانقسم
المحققون قسمين منهم من يقول ان الصائغ مازال صبيا ولايمكن
له ان يقوم بهذا العمل ولا احد يستطع الاعتماد عليه !!
وقسم يرى عكس ذلك ان الصائغ يتظاهر بالبراءة وهو رغم صغر
سنه فهو خطير جدا ومن خلاله سنحصل على كل ما نريد من
المعلومات ! وان الفاعلين استفادوا من ملامحه البريئة
لإنجاح عمبية الإغتيال ! فالفريق الاول يغريني باطلاق
سراحي اذا تعاونت معه والفريق الثاني يهددني بأنواع من
التعذيب فضيعة !ان لم اعترف لهم ! وجاء صباح يوم رابع
تيقظنا فيه بعد ليلة تعذيب امضيناها الى الصباح مع شرطة
بهائم يتفننون بتعذيبنا وإهانتنا ! علمنا ان عوائلنا سمح
لها بمواجهتنا ! ففرحنا كثيرا وان هي الا ساعة وبعض الساعة
حتى فتحت الباب فدخلت عوائل المحجوزين الى باحة السراي
واغلق الباب وراءهم وعلمنا ان الشرطة لم تسمح بأكثر من
واحد من كل عائلة لكل محتجز ! وتوقعت ان ارى والدتي واتطيب
من شميمها ! ولكن المفاجأة انني وجدت نفسي امام اخي عبد
الأمير وهو يتصنع البكاء في حين اخوة المحجوزين الآخرين
وامهاتهم كانوا يبثون العزم في اولادهم مثل : انتم منذورون
للوطن ! كرامة الحزب بأيديكم ! احتملوا التعذيب فطريق
الحرية ليس معبدا بالورود ! عبد الأمير اطال الله عمره قال
لي بحنان يتفطر له الجلمود : ابن الغبرة اشورطك وخلاك
تغتال فاضل الجمالي ؟ مو آني حذرتك من السياسة ؟ ليش اركبت
راسك ! فنهره احد المحجوزين وقال له سيد اموري ترة انت راح
اتثبت التهمة على اخوك مدا تفهم .؟ فأجابه اخي وقد شعر
بالحرج وان كرامته اهينت : إش اكرمنه بسكوتك ! عمي لتسوي
روحك غشيم الشرطة تعرف كل شي وسمعنا انو راح ايشنقوكم كلكم
! فقال لي آخر عبد الإله اترك اخوك خلي وحده وروح للحجز
ارحملك من هاي المقابلة السخيفة ! وفعلا تركت اخي عبد
الامير وحيدا ورجعت الى غرفة الحجز وحين انتهت المقابلة
اكتشفت ان اخي لم يجلب لي طعاما وفاكهة وملابس نظيفة كما
هو حال الزوار الآخرين مع المحتجزين ! فاوصيت الشرطة انني
لا اريد مقابلة احد من عائلتي مرة ثانية ! وحقا حصل هذا
فلم يسمحوا له بزيارتي وعلمت لاحقا انه كان يمنع والدتي
ويرهبها ويقول له عيب المرة تروح ابين الشرطة ! زارتني
الوالدة وكانت معنوياتها عالية جدا وجلبت معها افانين من
الطعام والفاكهة والشربت وهمست لي : ماما لتخاف رحت ويه
الملة تقية بنت الصاغرجي ( تويج ) الى بيت نوري السعيد
وزوجة الباشا صديقة ملا تقية جدا وقد اخذت منا المعلومات
وكَالت هاي هية لتخافون على ابنكم ! وعلمت ايضا ان الوالدة
مرت بالحلة وباتت في بيت كروزة علوش ( ام احلام ) واخبرت
صديقتها كروزة وهي امي بالرضاعة وابنتها الحسناء الرائعة
احلام اختي في الرضاعة وتربطني بها محبة كبيرة ! لطمت
كروزة واحلام وامي فأذا دخل الحاج حنتوش علوش رئيس غرفة
تجارة الحلة ووجد اللطم في بيته على غير ما اعتاد عليه
اصيب بالفزع فظن ان امه ماتت وكانت امه في المستشفى !
وهكذا حكت ام احلام للحاج علوش مصيبة الزرقاء بولدها
الوسطاني اخو احلام حبيبتك فبكت احلام وبكى الحاج واخذ ادق
المعلومات من الوالدة وطمأنها ! زد على ذلك ان الحاج
الوجيه عطية السيد سلمان الزقرتي العوادي وهو برلماني
مخضرم وصديق شخصي للوصي عبد الإله خابر الوصي بعد ان تجمعت
عوائل المحتجزين في بيته خابر الوصي عبد الإله وسمعته
العوائل يقول للوصي ساخرا : يعني الشرطة ما عدها بعد شغلة
غير حبس الصبيان ! مولانا الوصي ترة احنه محرجين من اهالي
النجف ! ارجوك تتدخل كَبل ما تطلع مظاهرات وندوخ بيها !!
ويقال ان الوصي كان سمجا مع السيد عطية وقال له هذولة شنون
صبيان عدكم يغتالون دكتور فاضل وتريد الشرطة متحبسهم !
ويقال ان الوصي اغلق التلفون بطريقة غير مهذبة !لا ندري كم
يوما انفقناه في الحجز حتى تناهى الينا اننا سوف نسافر الى
بغداد لمواجهة الدكتور فاضل الجمالي ! لم نعرف السبب في
ذلك ولكننا استبشرنا خيرا قلنا لبعضنا ربما الجبهة الوطنية
اعدت خطة لاختطافنا من الشرطة في الطريق مثل فلم السينما
وتهريبنا الى سوريا ! او لعل الله يهدي الدكتور الجمالي
فيأمر بإطلاق سراحنا ! واوصانا ابو عمر الذي رافقنا بعدم
رفع اصواتنا امام الباشا الجمالي وعدم الهتاف امامه وامور
اخرى كثيرة ! انطلقت السيارة الكابوسية السوداء التي تفوح
منها رائحة القير وفي منتصف الليل غلت ايدينا بالكلبشات
وربطونا بسلسلة بحيث لايمكن لأحدنا الهرب او الركض فنحن
مشدودون الى بعضنا ! كان الطريق مملا وطويلا فالسيارة التي
نقلتنا الى بغداد محكمة وكأنها علبة حديد ليس فيها نوافذ
بحيث شعرنا بالاختناق عدة مرات ! وصلنا الى مكان رجحت انه
بيت فاضل الجمالي ! بيت عادي ببهو كبير وبسيط لكنه مؤثث
على الطريقة الانجليزية جلسنا في البهو والكلبشات في
ايدينا وقد تخلصنا من السلسلة التي تشدنا الى بعضنا وجلسنا
على الكنبات ! وجاء الخدم فقدموا لنا طعاما شهيا متنوعا
واتذكر انني احببت شربت الطماطة ! اكلنا بنهم شديد ولم يكن
معنا شرطة وحتى ابو عمر لم يسمح له بالدخول فبقي مثل الكلب
خارج البهو ! وبعد تناول الفاكهة وشرب الشاي دخل رجل
بملابس تشريفاتي وقال سعادة الدكتور وانحنى بينا دخل فاضل
الجمالي اقدر عمره في الستين وازيد ولكنه نشط بما يكفي
وليس في جسمه فضول كذلك الذي ابتلي به نوري السعيد وتوفيق
السويدي مثلا ! كان رشيقا لولا شيء لايكاد يرى من البطنة !
ويضع على عينيه نظارات مستديرة كنظارات المهاتما غاندي بما
يؤكد اصابته ببعد النظر ! ابتسم في وجوهنا ابتسامة صفراء
مفزعة وصافحنا واحدا واحدا وكان حريصا على سماع اسمائنا
كاملة مع اللقب ! وان نذكر له اعمارنا ! واتذكر انني كنت
الاصغر سنا بين المتهمين وان اكبرنا كان عمره 38 سنة ! ثم
امرنا بالجلوس وجلس بمواجهتنا وهو ينظر الى اوراق بين يديه
ربما تتضمن ملف القضية ! وكان يقرأ ويهز راسه واحيانا يعدل
وضع نظارته فيرفعها الى اعلا انفه بسبابته ! ثم همس لنا
بحميمية مصطنعة وقال اقسم بالتاج وشرفي وبديني انني سأطلب
العفو عنكم جميعا رغم ان يدي اليسرى ورفعها لنراها كفه
ملفوف بالضماد !! ولكنه لم يكمل جمبته كأنه تذكر هول
العملية حين كان يبقي خطابه في نادي الموظفين في النجف
فانهالت عليه قناني المولتوف المعبأة بالبانزين مثل المطر
!! كأن يده ضمدت بعد اصابتها بشظية من المولتوف ! ثم اكمل
حديثه بنبرة صادقة الحزن : مرافقي وهو ولدي بالتبني قتل
وجرح الكثير من اصدقائي واصابة عدد منهم ليست بسيطة ! مع
ذلك انا سأعفو عنكم ! حبفت لكم بالتاج وانا مسؤول عن حلفي
! فقط اخبروني عن الجهة التي كلفتكم بالمحاولة ! انا اريد
ان اتيقن هل هي محاولة اشرف عليها عناصر الجبهة ( واستخسر
ان يقول الوطنية ) او عناصر حزب معين ( لعله يلمح الى
الحزب الشيوعي ) او مذهب ما ! او وزير ما ( علمنا فيما بعد
انه كان يشك ان المحاولة من تدبير نوري السعيد !! ) فأكد
له كل منا اننا لم نتلق الاوامر من حزب اوجهة ... وللحديث
صلة في الحلقة الثالثة ان شاء الله .
بروفسور د. عبد الإله الصائغ
الولايات المتحدة في مساء الخميس 31 آذار مارس
2005
عن الطــيور المهاجــرة
والموت المؤجل
حياة بلا حياة او غصتي مع الحياة
الحلقة الاولى
عبد الإلـه الصائـغ
ابصرت النور وياليتني لم افعل فجر
الثلاثاء11 آذار مارج 1941 في بيتٍ فارهٍ فسيح واقع في
الجادة الثانية بمدينة النجف. وكانت فرحة الرجل الوجيه
الثري السيد علي الصائغ الذي وزع هدايا بمناسبة ولادتي قد
تحدثت عن بذخها المحلة لفترة طويلة لا توصف فقد جئت بعد
بنتين هما حياة ونجاة !! ووالدتي الزرقاء ابنة المرشد محمد
حسين زيارة آلبو اصيبع وكيل العثمانيين في النجف!! كانت
اصغر سنا من اصغر اولاد أبي السيد علي وبناته من ازواجه
الأخريات فهو مثابة جدها!! ومات السيد علي الصائغ ليلة
الجمعة الأولى من محرم الحرام سنة 1944 بمحله بقيصرية
الصياغ في النجف وكانت القيصرية ملكا لوالدي !! فهرول
اخوتي لأبي وسرقوا خزائن الذهب والموجودات وكان بعضها
امانات من الناس!! وهربوا وتركوا جثة ابيهم وقد سقطت عمته
واستند جبينه الشريف قهرا على السندان!!!! دخلت مدرسة غازي
الأبتدائية التي يتاخم قفاها بيتنا مباشرة فهي بين الجادة
الأولى والجادة الثانية ! دخلتها عام 1946 واستقبلني
مديرها المرحوم رؤوف الجواهري بقامته الطويلة الفارعة
ووجهه الشبيه بوجه الجنرال شارل ديغول وكان يعتمر السيدارة
الفيصلية ( نسبة الى الملك فيصل الأول ) ولأن انفه طويل
ودقيق فقد كان صوته يسمع وكأنه خارج من أنفه ! استقبلني
المدير ابن الستين عاما بالصراخ والتهديد والشتائم لأن اخي
الكبير السيد عبدالأمير الصائغ أطال الله عمره خريج غازي
كان مكروها من قبل هذا المدير بل ومن المعلمين والفراش عبد
عون !! وتشجع معلمو الحساب ( حميد الدسبولي ) والدين (حسن
الكتبي دشتي ) والأنجليزي ( عبد الأمير الوائلي ) ومدرس
الرسم ( حسن شعبان ) القصير ذو الوجه العبوس والطباع
الغليظة والخيال المقرف!! تشجع هؤلاء على إهانتي دون سبب
!!فكانوا يجرحون مشاعر الطفل فيَّ دون رحمة زد على ذلك
تفرد الفراش عبد عون الياسري بسلطات مرعبة فكان المدير
الحقيقي فهو يفصل من يشاء ويقبل من يشاء ! ولأنه يعتمر
اليشماغ والعقال ويضع على دشداشته عباءة فقد كان يظن نفسه
شيخا لايقل اهمية عن السيد عطية السيد سلمان الزكَرتي
العوادي والشيخ عطية ابو كَلل !! وكنا ننتقم منه حين نخرج
من المدرسة فنعمل تظاهرة طفولية وهتافنا المعتاد الذي نطرب
عليه والجيران معا هو ( عبد عون بعده جحش , كل المطايا
شيبن وعبد عون بعده جحش ) !! لكنني اعشق مدرسة غازي واحن
الى ايامها فقد اهدتني خيرة اصدقائي وجمعتني بمناضلين
تاريخيين لن يتكرر ظهورهم ببساطة مثل نوري الزميلي وزامل
مطرود وناجي مطر فضلا عن اصدقاء طيبين شفافين مثل محمد علي
الحبوبي ومحمد هادي الحبوبي وضياء هادي الشريفي ( الرادود
) ونوري الشريفي ( الرادود ) وصادق الشيخ سلمان الخاقاني
والفنان التشكيلي معطي جبر وهلال صالح معلة وعبد الحسن
جعفر .
وثمة المدرسة المركزية في الناصرية 1954
وفيها درسني عبقري العربية كَاصد الزيدي واسهمت مع زملائي
طلبة الأبتدائية في درء الفيضان عن الناصرية الحبيبة حيث
حملت التراب رغم يفاعة عمري بالهزَّة وهي كيس من الجوت (
كَونية ) في منطقة روف ابو جداحة !! وكان البيت الذي اسكن
فيه ضمن بيوت الصحة ويقع ياللمفارقة بين قاعة تشريح الموتى
وبيت للبغاء يديره محيسن طيز ( كذا ) !! وثمة مدرسة الغري
الأهلية في النجف وفيها زاملت محمد كاظم العادلي وحميد
المطبعي ورشاد دوش (!! ) ونعمت بأساتذة تاريخيين اذكر منهم
الشيخ عبد الله الشرقي الأديب والمربي المعروف وهادي
المواشي الخطاط والمناضل التقدمي والملة سلمان الدلال
العلامة المميزة لمدينة النجف وهو أب لمناضلين تقدميين
صلبين هم الأساتذة:عبد الرضا وداوود وسعاد وسلام ووئام
فضلا عن انه يدير مدرسة في العطلة الصيفية هو مديرها
ومعلمها الوحيد وكان رحمه الله يمتنع عن اخذ قسط الدراسة
مني لأني يتيم! وثمة ابن حيان الأبتدائية في الكوفة التي
شهدت فيها هجرة بعض اصدقائي وزملائي من اليهود واتذكر انني
بكيت معهم في لحظة وداع مؤثرة !! ومدرسة الأمير عبدالإله
في الكاظمية قرب ساحة الشوصة ( الزهراء ) وكانت تراتبية !!
ولدي في هذه المدرسة التي كانت عبارة عن بيت احد الموسرين
لدي ذكريات مضحكة ومبكية وللمثال ان مديرها الأنيق ذا
الوجه الوسيم كان كذابا محترفا كما يبدو وحين شاعت ظاهرة
كسر زجاج الصفوف في المدرسة وعجزت عيون الأدارة ان تعرف
الفاعل الحقيقي جمعنا المدير بهيئة اصطفاف عمومي والقى
بيننا خطبة مؤثرة جدا جدا ملخصها ان الطالب الذي يعترف
بأنه كسر الزجاج انما هو صادق وشجاع وسيدخلة الله حين يموت
في الجنة اما نحن في المدرسة فسوف نضع صورته في لوحة الشرف
ونوشحه بشريط فارس المدرسة ونعطيه ملابس الكشافة مجانا ثم
نقدم اليه هدية ثمينة !! إ. هـ ولأنني يتيم ولأنني محتاج
الى الحنان والهدايا ولأنني احب ان اكون بطلا وفارسا ولو
بالوهم فقد هيأ لي خيالي الطفولي البائس ان اقول للمدير
وامام المدرسين والطلبة وبصوت عال ( انا يامدير من يكسر
زجاج الصفوف كل يوم ) قلتها بثقة والبسمة تملأ وجهي الأصفر
!! ويعلم الله انني كنت ومازلت أبعد خلق الله عن الرغبة في
التخريب أي انني كذبت ولم اكن مسؤولا عن كسر الزجاج !!
ولكن انطلت علي أكذوبة المدير اللبق الوسيم واصطادتني
مغرياته وكلامه الذي ينقط عسلا !! وياليت عيونكم لم ترني
ساعتها ! فقد انهال المدير المهذب علي بعصاه الغليظة
واستحال وحشا حقيقيا مع طفل يتيم بائس وربما مغفل !! ولم
يتركني حتى اغمي علي ونقلوني الى المستشفى ومن حسن الحظ
ولو بعد فوات الأوان ان الفاعل الحقيقي رق لمأساتي وغبائي
فذهب في اليوم الثاني واعترف للمدير بفعلته !! آه ..لتعدد
مدارسي فقد كنت ارافق اخي الكبير المضمد عبد الأمير الصائغ
( موظف صحي او معاون طبي متقاعد الآن فيما بعد ) وهذا
العبد الأمير كثير المشاكل مع المراجعين والموظفين بل
والأطباء ! وكثير العلاقات المريبة مع النساء !! فكانت
عقوبته النقل من النجف الى الكوفة بعد اعتدائه بالضرب
المبرح على مدير المستشفى الدكتور عبد الرسول حداد ثم نقل
الى الناصرية بعد اعتدائه على الفراش وكسر حوضه فضلا عن
مغامراته النسائية التي تزكم الأنوف !! الناصرية الى الى
الى وانا اتحمل معه العقوبة وامري الى الله !! وهكذا انهيت
الأبتدائية في ثماني سنوات!! .
متوسطة الخورنق في
النجف حاضنة المناضلين ( 1955 – 1958 )كانت رائعة
واستقبلني مديرها الأديب عبد الرزاق رجيب بحنان جعلني اكره
ايام العطل لأنها تبعدني عن الخورنق واستاذنا الدؤوب كريم
علي عودة نور الله ثراه كان ذواقة أدب ومربياً من طراز خاص
واذكر بعض المدرسين ذوي الميول القومية ومنهم محسن
البهادلي ومحمد علي المقرم..! وكان زميلي وعلى الرحلة
ذاتها الشاعر المعجزة عبد الأمير الحصيري والقاص المبدع
موسى كريدي ( يرحمهما الله ) والأصدقاء الرائعون علي صالح
معلة ورشاد الخوجة وجواد كاظم الشمس ويوسف خليل فضل ومحمد
رضا الدجيلي وصاحب الحكيم والبعثي المهووس حميد المطبعي
لكن زميلي الأروع هو الشهيد المناضل محمد موسى التتنجي
نقيض رفيقه الشيوعي زهير شكر مصور الشعبة الخاصة – الأمن
فيما بعد-!!!!.
وفي الخورنق التي كانت تقود
المظاهرات ضد العهد الملكي السعيدي وضد العدوان الثلاثي
على مصر 1956 مع شقيقتيها : السدير واعدادية النجف وبعيني
هاتين شهدت مصرع الزميل محمد رضا الشيخ راضي على السلم
المفضي الى الطابق الثاني وحملته ودمه يشخب حارا على جسدي
الواهن وبعيني هاتين كنت اشهد الشهيد الوسيم عدنان الدجيلي
وهو يقود المظاهرات القادمة من متوسطة السدير!! ومعي في
الخورنق عهداك الزميل القومي الطيب القلب علاء البرمكي
واليساريون الشهيد محمد موسى التتنجي وعبدالأمير العمية
وعباس حموزي والشهيد علي الصفار .وكانت نتيجتي في امتحان
البكالوريا 79 % وهو اعلى معدل في لواء كربلاء بسبب انشغال
الطلبة بالمظاهرات ضمن عقابيل انقلاب 14 يوليو تموز 1958
فليس لديهم وقت للتحضير او حتى حضور الدرس !! معدلي هيئني
للتقديم الى دار المعلمين في كربلاء فقدمت اوراقي انا
والصديق جواد كاظم الشمس وقبلت الأول في الدار ! وكنت قد
قدمت الى دار المعلمين الأبتدائية في بغداد ( معهد
المعلمين فيما بعد ) فقبلت الأول في واصبحت طالبا في معهد
المعلمين بالأعظمية 1959- 1961 ! المعهد المجاور للمقبرة
الملكية والمتاخم من الخلف لبيت الطائفي الشوفيني عبد
السلام عارف البزاز ( لا صلة له بـ ســعد البزاز مجرد
توارد القاب : عبد السلام بن محمد الفلوجي الدليمي وسعد بن
عبد السلام من الموصل ) وهناك شهدتُ الطائفية بأقذر
صورها!! وكان زملائي في الأعظمية من عتاة الطائفية
والموت!! وهم فاضل صلفيج ومحمد محجوب ومحمد الدوري وصابر
الدوري وانور مولود ذيبان وعبدالله فاضل السامرائي
وعبدالأله عبد القادرالسامرائي وخالد عبد الكريم الحلي
وضياء الشيخلي ...... قائمة القتلة طويلة لكنني رزقت
اصدقاء معقولين بينهم الحميم المتواصل!! أذكر منهم ثابت
عبد الرزاق ظاهر الآلوسي التكريتي ( تشاء الصدف الجميلة ان
يكون البروفسور الآلوسي زميلي مرحلة التلمذة في الدكتوراه
) ومولود ابراهيم حمو التكريتي وجابر عوين التكريتي وعمار
عبد الحميد التحافي البغدادي وماجد البلداوي الشيوعي (
التقيته في الثمانينات من القرن العشرين بعثيا عضو فرع
بغداد ومسؤولا عن الكاظمية وبفضله نجوت من الجيش الشعبي )
وهاشم السامرائي ..( اصبح دكتورا التقيته رئيس قسم التربية
في كلية تربية الجامعة المستنصرية وتستر على التقارير
المرفوعة ضدي التي وصلت الى أمن الجامعة و مؤداها انني
مشترك في انتفاضة شعبان 1991 ) وكان الطائفي العنصري
المعتوه خير الله طلفاح مدير المعهد وجاء بعده عابد توفيق
الهاشمي الموصلي الحامل شهادة الماجستير في العلوم الدينية
! وتشاء الصدف في سبعينات القرن العشرين ان يدرسني في
الجامعة المستنصرية المسائية وكان لما يزل يحمل الماستر !
وثانية تشاء الصدف ان نكون انا واستاذي بروفسور عابد توفيق
الهاشمي زملاء في جامعة صنعاء باليمن وبيتانا كانا
متجاورين فربطتنا صداقة جميلة وعلمت انه حصل اخيرا على
الدكتوراه من السودان وكثير من العراقيين الذين يدرِّسون
معه في اليمن حصلوا على الدكتوراه بيسر من السودان !!...)
وعملت مأمور بدالة في السنك بشارع الرشيد!! عام 1959 ففي
الليل عمل مضن وفي النهار دراسة اتلقاها نائما وكان راتبي
الشهري جيدا بحساب ذلك الوقت 11دينار وربع الدينار اتبرع
بشيء منه لأصدقائي في المعهد !! اما مديري العام فهو
الأستاذ نبيل الدجيلي الشخصية الوطنية المتوازنة وصديق
الشهيد عبد الكريم قاسم . وحدثت لي مقالب كثيرة في بدالة
السنك لأنني كنت أداوم فيها ليلا وقد استبد بي تعب الدراسة
في المعهد والرياضة في نادي الأعظمية والتسكع في شوارع
الأعظمية !! مرة مثلا طلب الأستاذ حسن الطالباني وزير
المواصلات أي الوزير الذي تتبعه الدائرة التي اعمل فيها !!
الشهيد عبد الكريم قاسم وكان علي ان احول طلبه لكنني كنت
اغط في سبات عميق !! فكان يتحول تلقائيا الى حمام السعادة
مرة والى مطعم ابن سمينة اخرى فصبر الرجل وكان يجاوبه
أحيانا زميل لي جديد تحت التدريب وليس لديه أي معلومة عن
البدالة !! وهو لايعرف العربية اطلاقا واظنه كورديا
والوزير كوردي ايضا ولكن عربيته فصيحة ومخارج حروفه سليمة
! فكان زميلي يقول له هلو ثم يضع السماعة ويقول هاذة ابن
قحـ ...... منعول والدين !! والزميل لايدري ان المتكلم هو
سيادة الوزير ولو كان يدري لأيقظني من سباتي العميق
!ولكنها الصدف السيئة ! فظن الوزير ان مأمور البدالة يتعمد
استفزازه !! ربما فسرها لأسباب سياسية او قومية !! وتشاء
الصدف ان استيقظ لأذهب الى الحمام فقال لي زميلي بعد أن
أنَّث الرجل ( هاي بت الكلب تغلط عليَّ ) فظننت انها فتاة
سكرانة وما اكثرهن اللائي يعملن في الملاهي الليلية وتصاب
احداهن بالأرق وهكذا اعتدنا منهن مخابرتنا بعد منتصف الليل
!! فأخذت السماعة لأحل المشكلة وما كنت ادري انني سوف
اعقدها !! فقلت بثقة تامة وبشبق مقرف كأني خبير مع اللواتي
يسكرن بعد منصف الليل وهن غالبا فتيات الملاهي كما اشرت
قلت للأستاذ الوزير : اتفضلي عمري !! اتفضلي فضفضي حبيبتي
انتِ !! فأتاني صوت رجل مهذب ورصين وغاضب جدا جدا : عيب
عليكم تستعملون وي خصومكم هاي الأساليب الوسخة ! ولك آنه
مو حبيبتك آني وزيرك !! ولم انتبه الى عبارة آني وزيرك !
فكلمته بثقة غبية قائلا : طيب ياعيوني انت موحبيبتي العفو
! فقال لي الوزير : اقبل عفوك اذا اعطيتني اسمك ! فقلت له
وقد طار النعاس من راسي : ليش يابه شلك باسمي كَلنا العفو
وكلشي راح المكانه ! فقال لي : لو انت شريف وابن ابوك
اعطيني اسمك !! وبما انني كنت سياسيا وكنت مناضلا في العهد
الملكي وسجنت فيه مرات ومرات وبما انني اتوهم انني احد
صناع الثورة أو الإنقلاب ( كذا ) فقد صعد الدم حارا الى
راسي وشعرت بجرح في كرامتي ! مع انني لم اتخيل ان ورطتي مع
وزير ! قلت له : اسمع يارجل آنه شجاع رغم انفك وشريف اكثر
منك آني مأمور البدالة عبد الإله الصائغ ومعيشتي ليست على
وظيفتي فأنا لعلمك سأكون معلما ! هل تسمع ؟ سأكون معلما !
طيب اعطيني اسمك انت لو كنت شريفا !! فقال لي المتكلم انا
حسن الطالباني وزير المواصلات ! عندها ادركت انني ابتلعت
الطعم الذي اعدَّه لي زميلي الجديد ولأنني مازلت مراهقا
ومغرورا ولست حاضر البديهة فقد ركبت رأسي وأسمعته كلمات
لاتليق بالرجل العادي فكيف بوزير ؟ شيء من عقدة الذنب !
وحين اغلقت السماعة ارتديت ملابسي وكتبت استقالتي وفيها من
الحماقة مالم اجد له مسوغات حتى الآن !! ربما لأنني تخرجت
من المعهد واردت ان اسجل موقفا اسطوريا ( مأمور بدالة يغلط
على وزير !! ) وذهبت الى القسم الداخلي في ساعة متأخرة من
الليل تكارب الفجر ! ثم ابلغت في اليوم الثاني بوساطة خير
الله طلفاح ( الطائفي والعنصري المعروف وخال الفتوة صدام
حسين ) مدير المعهد ان المدير العام للمواصلات الأستاذ
نبيل الدجيلي يطلبني للحضور فورا ! وهكذا تركت الدراسة في
وضع نفسي لا احسد عليه وذهبت الى الدجيلي وكان يستشيط غضبا
! فقال لي مباشرة : انت منو حتى تغلط على الوزير ؟ هل تظن
انك تستقيل وتروح الى بيتك ؟ تغلط وتشتم الوزير وبعدين
اتقدم استقالة ..!! هي هاي الديموقراطية اللي تفهموها ؟؟
فصرخت بوجهه : اسكت استاذ نبيل بعد ما اقدر اتحمل اهانات
منك اكثر وبكيت وترنحت في وقفتي فنهض المدير العام وقد
شاهدني اسقط ارضا مغشيا علي ! فأخرج منديله وبلله ومسح
وجهي بعد ان رشه بكالونيا ! ففتحت عيني وقد نال مني السهر
والإعياء والخوف مالاطاقة لي عليه ! وغير لهجته وطلب الي
فقط ان اعتذر للوزير ! فأجبته ومازال الطيش يلعب برأسي :
شنو !! آني اريد الوزير يعتذر مني ! ليش الثورة بعد ماشالت
التمايز و التفريق بين العراقيين ؟ ليش احنه بعدنه عايشين
بزمن نوري باشا السعيد ؟ ثم اردفت بعنجهية : استاذ نبيل
وقع على استقالتي خلي اروح ! اتريدون اتحبسوني بغير محاكمة
آني مستعد من سجون الباشا الى سجون الزعيم ! ويبدو ان
الوزير كان جالسا وانا لم انتبه الى حضوره لأنني لم اره من
قبل ! وحين يئس من تنازلي وربما خشي على سمعته من هذا
المأزق ! وربما سوف استنجد بالصحافة ! وكانت الصحافة
عهدذاك لاترحم وتبحث عن مادة دسمة مثل هذه ! وربما يستغلها
اعداء الشهيد عبد الكريم قاسم وما اكثرهم وأشرسهم وقد
أمنوا العقاب ! فعلا اتصل بي الضابط هاشم النجار وهو
جيراننا في النجف ومسؤول قوة حماية بدالة السنك وقال لي
عبد الإله لتخاف تره كل حوارك مع الوزير حسن الطالباني
سجَّلْنا ونحتفظ بعدة نسخ منه ومن الشريط يتضح ان الوزير
هو الذي بدأ بشتمك وانك كلمته بأدب ولكنه استفزك بكلمات
نابية !! لم اعر كلام الضابط هاشم النجار اهتماماً !!
ويبدو انه كان قوميا وخصيما لعبد الكريم قاسم ولم اشأ ان
اكون سلاحا بيد أحد ( !! ) نعم يبدو ان السيد الوزير كان
جالسا في الغرفة دون ان انتبه لوجوده !! انتبهت الى رجل
يبدو اشقيائيا ومرهوب الجانب وذا جسم ضخم بعضلات مفتولة
علمت فيما بعد انه شقيق الوزير واسمه علي الطالباني !! كان
هذا الأشقيائي يتوعدني بالسجن اوالقتل !! فسمعت الرجل يقول
للمدير العام بلهجة آمرة : نبيل اخرج انت ومن وياك ثم
التفت الى اخيه قائلا بلهجة موبخة انت اخرج ايضا ! وخلوني
وحدي مع ابني عبد الإله ! فأدركت انه الوزير الأستاذ حسن
الطالباني ! وحقا اصبحنا لوحدنا مأمور بدالة معتدٍ ووزير
معتدى عليه ! فقال لي ابني آنة الوزير ورغم انك اشتمتني
وآني اكبر عمرا منك ورغم اني وزير وانت موظف في وزارتي
لكنني اعرض عليك الصلح ولنكن اصدقاء وما تطلبه مني احققه
لك بطيب خاطر انت ابني وآني أبوك !! فخجلت من طريقته
المهذبة جدا جدا في الكلام وتذكرت انني وزميلي اسأنا بحقه
وان كنا لاندري من هو ولكن ينبغي على مأمور البدالة ان
يتحسَّب لهذه وامثالها ! فقلت له استاذ لاتقل مثل هذا
الكلام عيب ! آني اعتذر منك استاذ واقسم بالله آني نادم
على سوء تصرفي معك ! فهش الوزير وابتسم بحميمية لايمكنني
نسيانها ما حييت وقال طيب اسحب استقالتك ! وهنا تذكرت انني
تخرجت في المعهد وعليَّ الإلتحاق بوظيفتي في لواء الناصرية
! فقلت له بصدقية عالية : سيادة الوزير : آني اتخرجت وعندي
عائلة ولازم التحق بعملي واستقالتي لابد منها ! فقال لي كم
سيعطوك من راتب ؟ فقلت له : اثنان وثلاثون دينارا غير
العلاوة السنوية ومقدارها دينار واحد ! فقال لي ومازالت
البسمة الأبوية على وجهه السمح : ابني آني اعطيك خمسة
وثلاثين دينار وعلاوة دينارين في السنة ولَتْفَكِّرْ
بالإستقالة !! ورفضت بأدب واشهد الله لوقبلت عرضه لتغيرت
حياتي تماما ولأكملت الدكتوراه في الستينات بدلا من
الثمانينات ! ولو كنت ذكيا لجعلت الوزير واسطتي للقبول في
الجامعة وهي حلم حياتي !! ولكن ذنوبي مع نفسي كثيرة واذا
قبلت عرض هذا الأب والوزير فمن سيتحمل عذابي في الناصرية !
من يحتمل بهذلتي في غير الناصرية !! المهم وبعد ان يئس
الأستاذ حسن الطالباني من إقناعي اخرج من جيبه خمسين
دينارا واهداها لي ولم يسمح لي بالإعتذار فقبلتها ثم
تعانقنا بكل مشاعر الحب والتسامح والثقة ونادى المدير
العام الأستاذ نبيل الدجيلي وقال له بعبارة حميمة : استاذ
نبيل اصرف لولدي عبد الإله ثلاثة رواتب ووجه له كتاب شكر
باسمي لخدماته الجليلة في عمله ! بعد ان كان الأستاذ
الدجيلي قد كتب لي عقوبة الفات نظر لأن جوابي مع السيد
الوزير غير مهذب !! المهم كتب الوزير رسالة توصية الى
المدير العام لتربية الناصرية الأستاذ المغفور له حسين
الشريف طالبا اليه رعايتي لأنني مثابة ولده وسلمني الرسالة
وختمها بعد ان وضعها في مظروف !! ياللزمن المجيد يسيء
الموظف الصغير فيجد قلبا كبيرا يستوعبه ! كم كنت اقارن بين
اخلاق هذا الوزير الكوردي واخلاق الوزراء البعثيين فيما
بعد ! فتحية لك يااستاذ حسن الطالباني ان كنت حيا وسقيا
لقبرك ان كنت في عليين برفقة الملائكة !! ولم يكن هذا
مقلبي الوحيد في بدالة السنك ببغداد فقد كنا نشتغل بأعمار
شبابية متقاربة ذكورا وإناثا ! وقد احببت مأمورة بدالة
جميلة ومهذبة اسمها خالدة عباس الدوري تسكن في محلة
المهدية في الزقاق الذي يقع فيه بيت شقيقة الشهيد قاسم
ولكن خالدة كانت مهذبة وخجولة فلم تبادلني الحب بيد ان
نظراتها تقسم بالله على انها تحبني ! وذات مرة قالت لي
خالدة انا لا استطيع ان احبك لأن صديقتي تحبك جدا ! فقلت
لها واين تعمل صديقتك ؟ فقالت هل تتغافل وتخدعني على انك
لا تعرفها انها مأمورة البدالة الشقراء ذات العينين
الخضراوين وهي شبيهة الممثلة زبيدة ثروت ! اسمها شكرية
صادق النقاش ! وهكذا وبسبب من مراهقتي غير المتوازنة
وحرماني العاطفي تركت خالدة واقفة ومذهولة من تصرفي
الصبياني !! وهرعتُ نحو شكرية التي تجاهلتني امام صديقاتها
! مرة قدمت لها هدية قلم حبر باركر مطبوع عليه هدية من ع .
ص . الى الحبيبة ش .ن ! وسهرت الليل وانا اتهيأ لتقديم هذه
الهدية وكان اخي الكبير عبد الامير الصائغ يثقفني على الحب
ويقدم لي تجربته الكارثية في الغزل !! ! وحين حانت ساعة
اللقاء داخل قاعة العمل وهي المكا ن الوحيد الذي يمكننا ان
نلتقي فيه بين عشرات الموظفين الفضوليين ! قلت لها حبيتي
شكرية اسمحي لي ان اقدم لك هذه الهدية تعبيرا عن حبي
الكبير لك ! فالتفتت الي كأنها لاتصدق ماتقول واسمعتني
كلاما خشنا واجهشت بالبكاء ! وفي اليوم التالي ارسل علي
الأستاذ نبيل الدجيلي وكان في غرفته اشقاء شكرية واولاد
عمها ومنظرهم يهد الجبل وارادوا ضربي فمنعهم الدجيلي وعلمت
انني ارتكبت حماقة كبيرة فشكرية من عائلة محافظة جدا !!
المهم اعيدت الي الهدية البائسة مع كتاب توبيخ مسوِّغه
انني اترك واجبي واتغزل بالزميلات واضايقهن وتقبلت المقلب
الذي عملته لي الزميلة خالدة بوجع كبير (انني احتفظ بكل
الكتب الرسمية في ارشيفي مع الشاعر عبد الرزاق الربيعي )
!! أعود الى معهد المعلمين فأقول : اما اساتذتي فهم: فيصل
نجم الدين الأ طرقجي مدرس الجغرافية ( جغرافي شهير ) ومحمد
احمد المهنى مدرس الجغرافية والأدب ( علامة كبير ) واكرم
رؤوف مدرس الموسيقى ووجيه عبد الغني ( والد الدكتورة ليلى
المقيمة في مشيغن ) مدرس المسرح و محسن العرس والمدرس
والمربي المصري العظيم محمود يوسف والرياضي صباح عبدي
والفنان التشكيلي الكبير دكتور سعدي الطائي والفنان قاسم
محمد وعبد الحميد بلال مدرس التاريخ ويحيى الثعاليبي مدرس
الأدب والرياضي صباح عبدي والرياضي الدكتور وبطل المصارعة
( اموري ) أمير اسماعيل والأديب والرسام الدكتور سعدي لفتة
!! والأستاذ الفاضل جعفر حسن مدير القسم الداخلي والمتعاطف
معي ضد البعثيين !! وتعرفت خلال وجودي بالأعظمية على
اصدقاء مهمين اذكر منهم المحامي يوسف الخرسان والفلسطيني
نايف حواتمة ( اسمه وقتها خالد محمد ) رئيس حركة القوميين
العرب والدكتور الشهيد باسل الكبيسي وشهيد عملية عينتيبة
عبد الرزاق السامرائي ووائل كسار ( الأعرج ) وطالب الحقوق
رياض جلال الياور وفؤاد عبد الرسول الشريفي وكنا نلتقي في
مقهى النعمان بالأعظمية أو في بيت رياض في الأعظمية وهو من
القصور الفخمة جدا يطل بهوه على حديقة القصر الداخلية
الكبيرة مثل جنينة ! وفي القصر كثير من الخادمات والخدم
وكثيرا ماكنت انام في هذا القصر العامر فأجد محبة ورعاية
من صديقي رياض كبيرتين .
صدر امر تعييني معلما في
لواء الناصرية لأسباب سياسية وطائفية ( وكان وراء هذا
الحيف الذي لحقني معاون خير الله طلفاح العنصري طه السراج
لأنني شكوته عند المناضل اسماعيل العارف وزير التربية
والصديق الأقرب لعبد الكريم قاسم فخابره عارف وأهانه وقال
له انت طائفي وعنصري فلم يغفرها السراج للصائغ !! )
والعادة هي ان يتعين الخريجون من هذا المعهد في بغداد وكان
طلفاح يصرخ في المعهد : لا مكان للشيعة والشيوعية في بغداد
!! وتلقفتني مدارس سوق الشيوخ: الرفيعة والعكيكة والشريف
الرضي وسكنت في سوق الشيوخ محلة الحويزة في بيت كبير فيه
غرف للإيجار تديره عائلة الحاج سعيد الماس المعروفون
بسمرتهم المائلة للسواد !! ومن الناصرية وهبني الزمن عشقي
الحقيقي الأول!! ولولا حبيبتي هذه الأستاذة حربية سعيد
لقتلني البعثيون في شباط 1963 فقد اخفتني في بيتها دون علم
أهلها!! دون علم إخوتها وجلهم بعثي!! وصرت مدير مدرسة
الشريف الرضي المبنية من خوص النخيل وكانت هذه المدرسة ضمن
منطقة آل شليبة وآل وشاح والشيخ محمد خالد ومن الصدف ايضا
ان التقي في مشيغن با لكاتب وخبير الشؤون الامنية العقيد
رياض شليبة ويخبرني انني درسته في الصف الأول الإبتدائي !!
ونعرفت على الشاعر هادي العضاض والرياضي اليساري المغضوب
عليه حسن مهامش والبعثي ناصر الشميساني احببت الناصرية
فأنا عشت فيها زمن تهدم روف ابو جداحة الذي يحمي المدينة
من الغرق!! عام 1954واسهمت مع طلبة المدرسة المركزية في
حمل كَواني الرمل لحماية المدينة العظيمة!! وعملت في الطين
من الشروق الى الغروب وأجري اليومي ربع دينار يأخذه منى
اخي الكبير أطال الله عمره ويخسره بلعبة الطاولي او
الدومنة!! ومن زملائي الدكتور والبطل الرياضي محمد مسعود
وصباح حداد طوبية وحسين شياع وكانت بيوت الصحة قرب المشرحة
المرعبة لطفولتي وقرب بيت الدعاره المشهور بيت محيسن طيز
جنب روف ابو جداحة ولك ان تتخيلني وانا الصبي ابن الثانية
عشرة بين الخوف من المشرحة الممتلئة بالموتى والأشباح
والدهشة من بيت محيسن ط........ !! .
ونقلت الى
الديوانية بعد ان زين لي صديقي وتربي وابن مدينتي القومي
المعروف الدكتور السيد عدنان ابو الريحة فكرة النقل وكان
مديرا عاما لتربية اللواء وكان الى رأيه كاظم الكرادي
القومي المعروف نقيب معلمي الديوانية قال لي تعال يمي
عبدالأله وآني اريحك وحين صدقته وقدمت الى الديوانية
وقابلته ادركت انني ابتلعت الطعم ايضا وايضا !!ّ فقد
خاصمني هذا الصديق لسبب اجهله حتى الآن ! قال لي محمد كاظم
العادلي : ان رزاق عبود أوغر صدر ابو الريحة عليَّ !!
ورزاق عبود نجفي وصديق فكيف يحصل لي مثل هذا !!؟؟ فكنت
اقارن بين حسين الشريف وهو نجفي وبين عدنان ابو الريحة وهو
نجفي ! حسين الشريف حين سلمته رسالة الوزير الأستاذ حسن
الطالباني قبلها امامي وقال لي ياولدي ستثبت لك الأيام
انني ارعى جميع المعلمين كما يرعى الأب ابناءه وكان صادقا
يمين الله !! واوصى الدكتور ابو الريحة بوصفه مديرا عاما
موظفيه ان لا ادخل عليه وعينني في مدرسة مهلكة على حدود
السعودية اسمها المراشدة الإبتدائية مبنية من خوص النخيل !
ومياهها من آبار ملوثة بفايروس الكبد وقد اصبت به لكنني لم
امت!! وكانت مركزا مع الأسف لتهريب الأسلحة والخمور
والسجاير الروثمان وفيها مدير طيب جدا وضعيف جدا هو فخري
ابن فراش اعدادية النجف الحاج اشنيف وقد استغل بعض
المعلمين الملتحين ( اذكر منهم السيد علي ابو شامة ) استغل
ابو شامة وهو مزواج ومعه رهطه استغلوا فخري المدير الطيب
لكي يهربوا البضائع العراقية الى السعودية ويتسلموا بدلا
منها مسدسات كندة نمرة 8 وروثمان ومخدرات!! ومن السيد علي
ابو شامة الذي صار معلما بقرار من الشهيد قاسم احين أمر
بتعيين رجال الدين معلمي ابتدائية وكان بعضهم لا يحسن
الكتابة ! وكذلك علي حسين بصي زميلي عهد التلمذة في مدرسة
غازي الإبتدائية فقد نالني منه عنت كبير لا يسلس نسيانه
ولايسهل غفرانه !! وحين علم بعض المعلمين في المراشدة انني
اعتد التهريب خيانة وطنية عظمى خافوا ان افشي سرهم الى
الجهات المعنية وكانت منتشرة في المنطقة وتقدم ربع المواد
المهربة لمن يخبر عنها او يدل عليها ! وهل انا بمستوى ان
اكون خبيرا حتى في قضية محقة وعادلة ووطنية ! ولكن لكل نمط
من السلوك اصحابه من ذوي الاستعدادت الفطرية !! وزادهم
ايذاءا لي علمهم انني مغضوب علي من قبل المدير العام صديقي
المنقلب وابن مدينتي ابو الريحة وقد اخبرني صاحب المقهى
الوحيد في الحيرة واسمه كرحوت رحمه الله ان بعض المعلمين
المحسوبين على القومية والدين يحرضون اهل الحيرة على قتلي
!! وقررت السكن في النجف بشارع المدينة الذي ازاله فيما
بعد صاروخ ارض ارض بعثي فاشي بعيد خيبة انتفاضة شعبان 1991
وفي هذا البيت عاش معي ملاوة ابن شقيقتي الوسطى عدنان
الصائغ وكان يلتقي اصدقائي الأدباء ويقرأ لهم شعره دون
علمي لأنه كان ومازال شديد الحياء امامي!! عمره عهد ذاك لا
يتعدى الخامسة عشرة وقد تحدث عدنان عن هذا البيت بحيادية
كما عتم علي خاله عبد الإله الصائغ فاتضح ان ابعد الناس له
فضل عليه في تعلمه الشعر وشهرته اما خاله فهو ليس ازيد من
صاحب مكتبة وعدنان كان يلتهم كتبها ( وهو صادق والله !!
فقد رأيت اكثر كتبي في غرفته ببيته في الكوفة ! كتبي التي
بعتها لوزارة الاعلام وصارت من حصة اتحاد الأدباء الشباب
الذي ترأسه عدنان الصائغ خلفا لولد صدام حسين بالتبني لؤي
حقي ! نعم لقد التهم عدنان كتب خاله وهو بالمناسبة شاعر
فطري غير مثقف ولم يحصل سوى على شهادة مضمد بيطري وهي
تعادل شهادة الصف الثالث متوسط !! ولذلك تراه يكثر من
الأسماء الأجنبية سدا للنقص المعرفي لديه ) وهناك اسهمت في
تشكيل ندوة الآداب والفنون المعاصرة وكان اعضاؤها هم
عبدالإله الصائغ وزهير غازي زاهد وزهير الجزائري
وعبدالأمير معلة وموسى كريدي وموفق خضر وجاسم الحجاج
والشيخ محمد كاظم الطريحي وحميد المطبعي!! الشيخ استقال
مبكرا وحميد المطبعي فصل من الندوة بالأجماع !! جاء في
الصفحة 8 من مقدمة الرحيل عبر وديان الصمت وهو ديوان شعر
جديد للدكتور زهير غازي زاهد مطابع الثورة العربية في
ليبيا 2003 (... وإئتلفنا مجموعة من الادباء ضمتنا مقهى
ابو المسامير في النجف! كان الجدل يطول بيننا في قضية
التجديد في مجال الشعر خاصة وكنا تقرا مجلة الاداب
البيروتية الى جانب مجلة حوار وريثة شعر البيروتية التي
كنت اقرؤها قراءة ناقدة ! هذه المجموعة التي ضمتها مقهى
ابوالمسامير من الادباء الشبان كانت تنقسم الى تيارين في
الذائقة الفنية والأبداع! كنت انا والشاعر عبدالأله الصائغ
ننشد التجديد ونندفع نحو التجديد مع الأحتفاظ بالأصالة
الشعرية ولا اقصد بالأصالة الإحتفاظ بالتقليد الشعري انما
روح الإبداع في الشعر وشعرية الإبداع ! فالجديد تظهر جدته
من خلال تجربته وبنيته الفنية فلم نكن نؤيد تغريب
الشعرالعربي أو الأدب عامة انما ندعو الى الأنفتاح على
الثقافات المختلفة والأفادة منها في تجاربنا وتجارب حياتنا
نحن دون ان نستعير تجارب الأخرين وندعي انها تجاربنا فهذا
هو التزوير الفني بل الوهم الفني . اما عبدالأمير معلة
وموسى كريدي فكانا يدافعان عن تغريب الأدب دون حدود!!
وانبثقت هذه المجموعة ندوة سميناها ندوة الآداب والفنون
المعاصرة سنة 1966 من زهير غازي زاهد وعبداالإله الصائغ
وعبدالأمير معلة وموسى كريدي وزهير الجزائري وموفق خضر
وآخرين ... وامتد اثر هذه الندوة الى بغداد والمحافظات
العراقية!! كانت هذه الندوة تقيم امسياتها في قاعة اعدادية
النجف التي كنت مدرسا فيها وكانت ندوتنا تمثل الحداثة
بصورتها التي ذكرت وتدعو الى التجديد مقابل جمعية الرابطة
الأدبية العريقة في النجف التي تضم شيوخ شعراء النجف
وندوتنا تثير الجو الادبي وتحاول ان تحرك الأبداع في مجال
الشعر والقصة القصيرة وقرئت القصة القصيرة لأول مرة في هذه
الندوة اذ كان القاص موفق خضر وموسى كريدي وجاسم الحجاج
ممن يشاركون بقراءات ابداعية وكان الشعراء عبدالأله الصائغ
وعبد الأمير معلة وانا نشارك شعرا! ولم تقتصر ندوة الآداب
على مشاركاتنا انما كان يشاركنا فيها من النجف الشيوخ
المجددون مرتضى فرج الله ومصطفى جمال الدين! وكانت تزور
مقر الندوة في مقهى ابي المسامير وفود من بغداد وكربلاء
والحلة وكركوك وغيرها وكان لهذه الندوة صدى خرجت موجته
الاولى من النجف ومن هذه الندوة انبثقت فكرة اصدار مجلة
الكلمة على صورة حلقات شهرية باسم شاب متحمس كان يجالسنا
هو حميد المطبعي وطبع عددها الاول في مطبعة الغري بتبرعنا
لما يسد كلفة الطبع ثم استمرت الكلمة في الصدور واتسعت
دائرة الكتابة فيها للقلام الجديدة في الشعروالفنون الأخرى
وبعد ذلك صارت الكلمة تمثل التيار المتطرف الذي ذكرته قبل
قليل بالإنزلاق في تيار التغريب فتوجهنا انا والشاعر
عبدالإله الصائغ لأصدار مجلة عبقر باسم المرحوم الشاعر
هاشم الطالقاني على صورة حلقات ايضا وقدم عبدالإله الصائغ
لعددها الأول بما يشبه البيان .وظلت المجلتان تتباريان كل
لها كتابها وما تمثله من الحداثة والدعوة لها! وكانت
بينهما جسور فنية موصولة وان كنا نميل الى اتجاه عبقر
ونبتعد عن الكلمة لأعتبارات فنية وفي نهاية الستينات اجيزت
الكلمة سنة 1969 وقدمت طلبا لوزارة الأعلام لأجازة مجلة
عبقر فلم تحصل الموافقة لأسباب غير فنية ايضا !! لقد كان
لندوة الأداب صدى ادبي واسع عبر سني الستينات وما بعدها
انطلاقا من النجف وصعودا الى العاصمة بغداد وغيرها من
المدن العراقية وكانت في بغداد وغيرها مقاهي تضم مجموعات
من الشعراء والكتاب مثل مقهى البلدية قرب الميدان ومقهى
حسن العجمي وكلاهما على امتداد شارع الرشيد ومقهى الشابندر
ومقهى الزهاوي وكانت امسيات ندوتنا ثم صدور مجلتي الكلمة
وعبقر تتفاعل في احاديث مقاهي بغداد وكثير منهم كان يشارك
معنا في امسياتنا وفي مجلة الكلمة وعبقر. وختمنا مرحلة
ندوة الآداب في النجف بمهرجان النقابة الشعري 1970 .... إ.
هـ ). ثم نقلت الى الحلة الرائعة وتسنمت عملي في مدرسة
برنون الكائنة في قرية برنون المتطورة والسخية والحالمة
وكان مديرها محمد الحميد وهو شيخ المنطقة غاية في الدماثة
وكرم الأخلاق والسخاء وفيه عشق للمعرفة فأحبني واعتز بي
كثيرا !! فجأة نقلت الى المدرسة الغربية النوذجية في
المركز ولم استجب للنقل لكن البعثي القاتل مولود الدوري
وهو ينظم الشعركان مديرا عاما للتربية في الحلة وصديقه
ومعاونه البعثي القاتل حسن العاني وهو متأدب ينظم الشعر
ايضا احبا ان اكون في المركز وفي مدرسة كل مكان فيها مربوط
بشبكة انصات وتجسس صنعها المعلم الفنان صادق الحلو بأمر من
المرحوم مدير المدرسة مجيد عبود الحميد وحين نقلت اثاثنا
بسيارة لوري والسرعة فائقة فانفتح باب اللوري وسقطت زوجتي
الأولى وهي حامل الشهر التاسع وفي بطنها ابنتي جنان وسقطت
من عل ابنتي سوزان اربع سنوات لكن ابنتي وجدان ( دكتورة
وجدان فيما بعد بروفسورة في عقوق الأب !! ) تشبثت وجدان بي
فلم تقع !! وكانت كارثة ابكت المدينة ولن انسى الموقف
الأروع لمديري في الغربية النموذجية الأستاذ مجيد عبود
الحميد !!. في الحلة نشطت ادبيا واسست مع كوكبة من الأدباء
ندوة عشتار الأدبية التي تركت ميسما واضحا على ثقافة
الستينات ومن عناصر ندوة عشتار الأساتذة الدكتور عدنان
العوادي وجعفر هجول وشريف الزميلي وناهض الخياط وباقر جاسم
ومعين الطائي والدكتور حازم الحلي والدكتور تركي خباز
وحكيم الجراخ ......... الخ !! وصدر امر بتوقيع
وزيرالإعلام عبد الله سلوم السامرائي 1969 بتشكيل الوفد
العراقي لإتحاد الأدباء العرب وكان الوفد برياسة محمد مهدي
الجواهري وعضوية شفيق الكمالي ونازك الملائكة ولميعة عمارة
وشاذل طاقة وانور شاؤول وعلي الخاقاني ومحمد صالح بحر
العلوم وكاظم جواد وحسين مردان ومحمد جميل شلش وعبد الإله
الصائغ وعبد الرحيم محمد علي ويوسف الصائغ وعبد الرزاق عبد
الواحد وحميد سعيد وسامي مهدي وعبدالستار ناصر وصادق
الصائغ وفوزي كريم وفاضل العزاوي وماجد السامرائي وعدد
كبير من الأديبات العراقيات عاتكة الخزرجي وديزي الأمير
ومي مظفر وسهيلة داوود وخديجة الحديثي وبهيجة الحسني وآمال
الزهاوي وليلى ساطع الحصري ومقبولة الحلي وسالمة صالح . و
مرحلة الحلة منحتني اصدقاء رائعين مثل جاسم الصكَر وكوكب
حمزة وشاكر السماوي وجعفر هجول وعباس المحسن وجاسم هجول
ومعين الطائي وحامد الهيتي وعبد الأمير شمخي وأميرة
الخزاعي ورؤوف الطاهر وفيها تساكنت مع ابن عمي الرائع
السيد حمادي رسول الشرع اطال الله عمره وبارك فيه !! ونقلت
من الحلة الى بغداد حيث تلقفتني مدارس مدينة الشعلة
المناضلة ثم مدرسة التعاون في الكاظمية واكملت البكالوريرس
والماجستير والدكتوراه جميعا وبتقدير ممتاز والحمد لله رغم
السجن والتوقيف والحجز ومشكلات الجيش اللاشعبي وضيق ذات
اليد !! تسنمت الدكتوراه التي جعلتني ادين بها لأفضل
الأساذة المربين الدكاترة : خديجة الحديثي ( أم الأساذة
والطلبة بجدارة ) واحمد مطلوب وعناد غزوان وهادي الحمداني
وعبد الجبار المطلبي ورزوق فرج رزوق وجلال خياط وسعدون
الزبيدي وابراهيم حرج الوائلي وصلاح خالص وعلي جواد الطاهر
وعدنان محمد سلمان وعددنا نحن طلبة الدكتوراه عشرة اذكر
ثابت الآلوسي ومحمد كاظم البكاء وصالح هويدي وجليل رشيد
وسعيد الزبيدي .وطالبة فاضلة وطالبان ملتحيان من الرمادي
احدهما معمم وعبد الإله الصائغ ... وقد كتب حميد آدم ثويني
شكوى الى صدام حسين يقول فيها ان وجبة الدكتوراه ثلثاها
شيعة متطرفون ووضعني على راس القائمة والغريب ان حميد آدم
ثويني شيعي !! وحول صدام حسين الشكوى الى الأستاذ القدير
الفاضل الدكتور احمد مطلوب التكريتي عميد الكلية ( وزير
إعلام سابق ورئيس المجمع العلمي العراقي ) ولولا الدكتور
مطلوب والفاضلة الدكتورة خديجة الحديثي لحرمت من الدكتوراه
والى الأبد !! وانا الحاصل في امتحان الدكتوراه على 97 . /
. ومعي امتياز في الماجستير ! وقف مطلوب والسيدة خديجة الى
جانبي جزاهما الله عني خير الجزاء !! .
وهكذا
وجدتني مدرسا في جامعة الموصل أعرق الجامعات العراقية دون
استثناء وبوغت – والحق يقال – بكرم اهل الموصل واقولها
بالفم المليان ان الكرم في الموصل متفوق على الكرم في اكثر
المدن العراقية!! ويكفي انني وخلال ثمانية اعوام هي خدمتي
في الموصل لم يسمح لي أي موصلي صديق ان ادفع من جيبي ولا
مرة واحدة !! وحين سألت صديقي العذب الرائع وتلميذي الذي
منحته الماجستير الشاعر الجيل ذنون الأطرقجي وهو احد ابطال
رواية مائدة لأعشاب البحر لحيدر حيدر ورئيس اتحاد الأدباء
فرع الموصل: ذنون ليش انتو مصرين ان لا ادفع من جيبي؟؟
فغمز لي عينه اليسرى وهمس لي مازحا بلثغته الموصلية
المحببة جدا الى نفسي : دكتور تحسين سمعة!! فقلت له
الشهادة لله ان الموصل جميلة وسخية وفي الموصل التقيت
بأحلى الحبيبات واروعهن التي أغلقت باب قلبي الى الأبد
وتركته مواربا قليلا!! بطلة ديواني – سنابل بابل – وقد
جعلتني هذه الفاتنة لا افهم الجمال الا من خلالها ولا اذوق
النعيم الا في حضرتها ولها كتبت ديواني الآخر أغنيات
للأميرة النائمة وما ازال اكتب لها وسأظل!!.كنت اقطع
الطريق من النجف الى الموصل ومن الموصل الى النجف أي بحدود
1400 كيلو متر من اجل ان التقيها ساعة او بعض الساعة وقد
تحاكيني سنابل فتأتي بغداد لسويعات ثم تعود ادراجها الى
الموصل . !!
نقلت من جامعة الموصل لأكون رئيسا
لجامعة الكوفة بمؤامرة حبكها الدكتور نوري حمودي القيسي!!
حتى يضرب المدينة بإبنها الصائغ ويحرق اوراقي لكن الله
الهمني اتخاذ القرار الصارم فلم اباشر حتى الغي الأمر
ولذلك حكاية طويلة ليس هذا موردها ! وكانت عودتي الى
مدينتي النجف خائبة وخائبة جدا وفهمت مشاعر الشاعر الجاهلي
حين يزور بيت ذكرياته وحبه فلا يجد اثرا!! زهير المزني:
وقفت بها من بعد عشرين حجة فلأياً عرفت الدار بعد
توهم
اصدقائي صادق الشيخ سلمان الخاقاني وجواد
كاظم الشمس ورشاد علي عودة ومحمد كاظم العادلي وهاشم شيخ
راضي وعلي صالح معلة ومحسن جبر البنا ومحمد ناجي الحمداني
وآخرون شاخوا وتقولبوا وزهدوا بالصداقة وربما اعتبروا
ذكرياتنا سخيفة لا تستحق نبشا!! والأزقة شاخت والبيوت
احدودبت ظهورها وبعض معالم المدينة التاريخية هدمه المعول
البعثي الطائفي الذي أقسم على محو ملامح المدينة فجرفت
البلدوزرات الكاكية الرابطة الأدبية والغري الأهلية
والميدان وتكية البكتاشية التي زارها الرحالة المغربي ابن
بطوطة وسور المدينة وبيوت تاريخية عمرها الف عام!!
والقولات والقناط ولم تنج منه جثث مقبرة السلام وهي اكبر
مقبرة في العالم ووووووو!!! بل وبني الحقد القومي المعهد
الصناعي فوق ارباض قصر الخورنق!! وسرقت خزائن الإمام علي
ووووو!!! وشب ضرام ثورة شعبان أذار 1991 وانا في النجف
وقصفت المدينة بصواريخ ارض ارض واشياء اخرى واستبيحت زمن
عودة الطفل الصائغ الى مدينته!! واغلقت الجامعة بعد فشل
الثورة وقدمت استقالتي الى وزير التعليم العالي العربنجي
الدكتور عبد الرزاق الهاشمي احتجاجا على اغلاق الجامعة!!
وكان معي البروفسور الدكتور زهير غازي زاهد صاحب اعراب
القرآن! وحين لم يجد معي تهديد الوزير وخرجت من غرفته
حانقا علمت ان الصديق الدكتور ثابت عبد الرزاق ظاهر
الآلوسي طلبني لكي اكون في الجامعة المستنصرية كلية
التربية وفي قسمه! وما ان علمت انني مطلوب للمخابرات بسبب
من دور حفيدي السيد مسلم السيد طاهر الحسيني الصائغ الذي
قاد بكفاءة انتفاضة المدينة بالتعاون مع صديقي العقيد عباس
معدل القائد الميداني للإنتفاضة!! حتى فبركت مع رابطة
ادباء تونس دعوة شخصية لي وكنت عضو المجلسين المركزي
والتنفيذي لأتحاد ادباء العراق وجاءت الدعوة بالفاكس موقعة
من قبل رئيس رابطة ادباء تونس الشاعر البعثي الميداني بن
صالح !! واعترض عبد الأمير معلة وهو رئيس اتحاد الأدباء
ومستشار صدام حسين بدرجة وزير ! على فكرة سفري خارج العراق
وقبلها اعترض على فكرة سفر عضو المجلس المركزي وصديقي
الشاعر كمال سبتي وحين سافر السبتي طلب اللجوء السياسي في
مطار اسباني فحملني معلة المسؤولية لأنني ضغطت على المجلس
ومعي الدكتور نافع عقراوي والأستاذ عبد اللطيف بندر اوغلو
لإستحصال الموافقة على سفره!! صوت الى جانب الموافقة على
سفري الشهيد الدكتور نافع عقراوي ممثل الكورد والأستاذ عبد
الطيف بندر اوغلو ممثل التركمان وآخرون وصوت للضد
الفلسطيني خالد علي مصطفى!! وعبد الأمير معلة تِرْبِي وكنت
قد رشحت ضده وفزت برياسة الأتحاد لكن الوزير لطيف الدليمي
الغى النتائج بعد ذهاب القاضي وفوز عبدالأميرمعلة فهو
يطلبني بثأر عميق وعتيق!! واخيرا وجدت نفسي اتسكع مع
صديقتي الأردنية وجدان عبد الكريم من الصباح الى المساء
ومع صديقي الشاعر الدكتور ابراهيم الخطيب في المساء
احيانا!! وانا لا اصدق انني حي ارزق وحاولت هذه الأردنية
الجميلة اقناعي بالعمل في جامعة اليرموك لوجود جمهرة من
الأساتذة الأردنيين وهم اصدقائي واصدقاؤها فيها د. قاسم
المومني ود.خليل الشيخ ود. زياد الزعبي..... وكنت صارماً
معها لأن الحياة عزيزة وبقائي في الأردن يعرضني للخطر
الأكيد ورضخت وودعتني الى المطار ومعها الأستاذ بدر عبد
الحق رئيس اتحاد ادباء الأردن الذي اوصلنا بسيارته الخاصة
على امل ان تلتحق بي وجدان عبد الكريم ان وفقني الله وعثرت
على عمل في دول المغرب العربي!! وسافرت الى تونس واستقبلني
في مطارها الشاعر الهاشمي بلوزة وهو موظف رفيع – مفتش عام
للوزارات!! وعبد الرحمن الربيعي وامضيت في افخم فنادقها
نزل البحيرة قرابة العشرين يوما حصلت خلالها على عقود
مغرية في تونس وكان اشد الناس حماسة لعملي في تونس صديقي
الناقد التونسي الدكتور مصطفى الكَيلاني وحين تبين لرابطة
ادباء تونس انني عدو النظام البعثي وهم معتاشون على هباته
السخية التي يتسلمونها شهرياً!!! قاطعوني جميعا الهاشمي
بلوزة وعبدالله القاسمي والميداني بن صالح ومصطفى الكيلاني
والعروسي المطوي.......!!!!! وسحبوا الإعتماد من نزل
الجزيرة! وبعد حقبة لا بأس بها توجهت الى ليبيا وعملت
استاذا مشاركا في جامعة الفاتح إذ لم يمنحني مدير عقودها
المتجبر والطيب معا : ابو بكر عتيق درجتي التي استحقها (
استاذ ) لكي يوفر للجامعة فرق الدولارات!! ورضيت مضطرا!!
وهناك اشرفت على وناقشت العديد من رسائل الماجستير
والدكتوراه وصرت مختصا بتدريس طلبة الدراسات العليا !!
ومددت الجسور الأكاديمية مع جامعات المغرب وتونس وكنت
احاضر هناك واناقش ضمن برنامج الأعارة والأستاذ الزائر!
وفي الرباط تعرفت على طليقتي المغربية الأمازيغية وكانت
بيننا علاقة حب عارمة اثمرت ولدي المحروس مولاي علي 14
عاما!! وبعد سبع سنوات التحق بي ولدي نهار وابنتي زمان
قادمين من العراق وقد اطفأت الرشوة الكبيرة التي دفعتها
لضابط كبير في القصر الجمهوري اقول اطفأت بضعة آلاف من
الدولارات قرار صدام حسين الذي وقعه بالحبر الأحمر ( تمنع
عائلة الدكتور عبدالإله الصائغ من مغادرة العراق لأي سبب
كان / توقيع صدام حسين )!! واتجهت الى اليمن ودرست في
جامعة صنعاء وقد تبنى عقدي الشاعر اليمني الكبير عبد
العزيز المقالح رئيس الجامعة ومستشار رئيس الجمهورية
والشاعران العراقيان الحبيبان فضل خلف جبر وعبد الرزاق
الربيعي والدكتور عبد الرضا علي والدكتور صبيح التميمي!!
لكن حياتي كانت مهددة بخطر مباشر من السفير العراقي الصحفي
درجة ثانية طه البصري حين رفضت دعوة اقامها لي في بيته
وقبلت دعوة السفير السوري في صنعاء الشاعر الدكتور أمين
اسبر ومن بعدها دعوة السفير الإيراني الشاعر الدكتور شاه
روخ!!
وبلغ العمى اقصاه حين اطلق الرصاص علي!! بعد
فشل عملية اختطاف ولدي وابنتي من قبل السفارة العراقية!!
واشهد ان التعاون كان على اشده بين المخابرات العراقية
واليمنية والجماعات الوهابية والدكاترة العراقيين البعثيين
بقيادة الدكتور الطائفي المخابراتي وجاسوس السفارة فلاح
اسود!! وكانت اليمن تنوء بحملهم!! وحصلت على اللجوء
السياسي من صنعاء الى امريكا وقبل اقلاع اللوفت هانزا
بساعتين منعني حرس أمن المطار من المغادرة وقالوا لي انتم
شيعة عملاء امريكا وضد البطل المسلم القومي صدام حسين
ويبدو ان للسفارة العراقية اليد الطولى في ذلك والخطة
اختطافنا من المطار وشحننا مخدرين الى العراق بصندوق
دبلوماسي واستنجدت بالسفيرة الأمريكية وقد تحركت بسرعة
وفكت الحصار عني واحبطت خطة مدمرة!! ووصلت سولت ليك سيتي
عاصمة ولاية يوتا ظهيرة 20 جون جزيران 2000 ولم يطل بي
المقام حتى جاء وفد سوء اليَّ من مشيغن يستصرخني ان انقذ
الجالية العراقية من السقوط وتعهد لي بتدبير حياتي
ومتطلباتي من بيت وسكن وعمل في جامعة مشيغن! وابتلعت الطعم
للمرة الألف وحين وصلت تخلى عني النشامى رجال الوفد!! بل
حاربوني على المستويات كافة وفي مشيغن خسرت ابنتي زمان حيث
تزوجت زواجا غير متكافيء فكان الطلاق والشجار والوعيد
والتهديد عاقبة هذا الزواج الوبيء ! وخسرت ولدي نهار الذي
تضامن مع امه ولبثت وحيدا فريدا !! وفد السوء وفيه والد
زوج ابنتي وزوجها والأب ابن عم زوجتي الأولى ! هؤلاء
واؤلائك همشوا دوري ومع ذلك تعاونت مع جامعة مشيغن
والأتحاد الديمقراطي العراقي واقمت احتفاليات كبرى في
جامعة مشيغن والفلج هول وهنري فورد ثم انتخبت امينا عاما
لمنظمة ادباء بلا حدود!! وكان اعضاء الهيئة التأسيسية هم
الشاعرة السورية اباء اسماعيل والدكتور قحطان المندوي
والشاعر خالد المقدسي والدكتور جمال الغانم والقاص سمير
المندوي والموسيقار غادة المقدسي والقاص نشأت المندوي !!
وما زلت في مشيغن المحروسة وعيناي على العراق وقلبي معه
وسأبقى ذلك الطفل الذي تركته في مدرسة غازي وقد حملت
الصائغ الطفل معي وانا اتسكع في المنافي والمرافيء
والمطارات ولا ادري اين سيؤول بي المآل ورحم الله صديقي
مصطفى جمال الدين !!
طار فلا ريشه ولا الزغب يعلم
ايان ينتهي التعب
ورحم الله الجواهري الكبير :
لقد اسرى بي الأجل فبي من طوله ملل
وبي
مما يخبيء لي غد في طيه وجل
لقد نفدت طاقتي على
مواصلة التذكر والقصة لم تنته بعد واعد الأصدقاء القراء
انني سأكملها في وقت آخر ان سمح لي العمر بذلك .
عبد الأله الصائغ / الولايات المتحدة
20 م |
 |
| |
|
|
 |
|
رئيس التحرير: الدكتور تيسير
الآلوسي هيأة التحرير: طعمة المذحجي ستار
كاووش |
|
| |
|