| إشارة.. قف عراقية والدكتور يعقوب حياتي! |
| حميد المالكي |
| hamid@taleea.com |
|
القضية العراقية، قضية فيها من الثراء والأحداث والوقائع والمتناقضات وفيها الانكسارات وفيها المآثر والأمجاد والبطولات الخارقة، ويشاهد فيها المتابع، التزاحم والتدافع والصراع والذي لم تشهده أية قضية أخرى في التاريخ المعاصر· ولذلك فإنني كمعارض عراقي وكاتب لا أرى مطلقا أية صعوبة في الكتابة عنها، فالمادة كما أسلفت تملأ الضمير والوجدان وتفيض على الجيران الأقربين منهم والأبعدين، بل ومن ضخامتها فإن أي كاتب شريف لا يتورع عن الخوض في غمارها والاكتواء بجمراتها اللاهبة الملتهبة وأحداثها الفائقة الإيقاع وما يدور فيها ومن حولها من معان ومفاهيم ودلالات تشظي الفؤاد وتمنح القلم مدادا أحمر قانيا لأنهار من الدماء الزكية التي شرفها الله سبحانه وتعالى بالشهادة ومنحها الخلود على طريق مكافحة الطواغيت وطاغوت العصر صدام حسين وعصابته الأوباش· أمام ثراء قضية شعبنا العراقي العادلة وما تشهده هذه الأيام من تآمر فتح أبوابه صدام حينما وضع ثروات بلادنا ومستقبل شعبنا رهن من يكتب كلمة باطل أو يزفر لفظة باطل أو يردح قليلا في سيرك النظام ويتقافز هنا وهناك سمسارا أو وسيطا، وليس مهما إذا كان هؤلاء: سياسيين، أدباء، بغايا، راقصات، مهرجين، رجال أعمال، سفلة، قوادين، مهربين· المهم أنهم يمتدحونه ويطالبون بتثبيته على كرسي السلطة الجائرة، صفقات وعمولات ومخدرات وخمور وكل ما لذّ وطاب واستطاب، فالغاية تبرر الوسيلة· ليس في برنامجي التعقيب على مقال أستاذنا د· يعقوب محمد حياتي في "الرأي العام" ليوم 31 يناير 2001 فمقالي ومادتي لـ"الطليعة" جاهزة، لكن مقال حياتي فرض نفسه لكثافته العالية التي ازدحمت بالمضامين المتنوعة والأشكال، بل إن اللغة التي يكتب بها (لغة عالم ضليع ومتبصر باللغة العربية وأسرارها وأعماقها فهو (مصطفى جواد الكويت) بلا منازع وهو عاشق للغة العربية وآدابها وشعرائها والذي لا يباريه أحد في دولة الكويت الشقيقة على حد علمي، فحياه الله وبياه وأنار آخرته ودنياه، فاللغة كما يقول أحد المفكرين: "لها علاقة وثيقة بينها وبين تاريخ المجتمع (المقصود بالتاريخ أيضا الظاهرات والواقع القائم ومعضلاته) ويضيف: ذلك أن اللغة - أية لغة - تعتبر اليوم حصيلة اجتماعية ونتاجا للتاريخ الاجتماعي، واللغة بعد كل تحليل لا تنطوي على شيء لا يمكن رده بصورة مباشرة أو غير مباشرة الى تاريخ المجتمع الذي تعيش فيه، فاللغة هي إحدى الوقائع الاجتماعية الفاعلة والمؤثرة في سياق الوجود الاجتماعي وديمومته كلها، فهي تبقى ببقائه وتزول بزواله وليس ثمة إمكان لوجود أية لغة خارج نطاق المجتمع· من هنا لا نستطيع فهم اللغة وقوانين تطورها إلا إذا توجهنا لدراستها من حيث صلتها الوثيقة بالمجتمع وتحيا على لسان أبنائه وهذه المقولة هي حجر الزاوية للألسنية المعاصرة، ومسألة العلاقات التي تقوم بين الظاهرات اللغوية والمجتمع هي إحدى المسائل النظرية الأساسية لمجمل علم اللغة··"· ذاك سبب· أما السبب الآخر الذي دفعني الى تأجيل نشر مادتي الجاهزة فذلك لأنها فرصة ثمينة لا بد من الاستئناس بمعانيها واقتطاف ثمارها· فمن المعروف أن حياتي مقل في الكتابة ولا يكتب لمجرد الكتابة إنما لمواضيع مهمة يراكمها في مخيلته ويعايشها في تضاعيف جسده وتستنطقها جوارحه وتستقرؤها ملكاته ثم يزنها بميزان دقيق، فإن وجدها تستحق الكتابة بدأ ببراعة بخطها وبعكس ذلك تركها (وكفى الله المؤمنين شر القتال)! وإن اختياري لدعوته الى محاكمة المجرم صدام ونظامه تم أيضا لأسباب من بينها الحملة الدولية القائمة والمستمرة من أجل محاكمة صدام وعصابته والتي رفع لواءها أبناء العراق في الطرف الأغر بلندن في 28/12/1996 في كل يوم سبت من الساعة الواحدة والنصف ظهرا حتى الخامسة مساء، وما زال اعتصامهم مستمرا تحت شعار (باقون هنا حتى المحاكمة) وبلغ الموقعون على مطلب المحاكمة آلافا مولفة من مختلف الأوساط ومن شتى أنحاء الأرض إضافة للحملة الدولية التي اختتمتها السيدة المناضلة آن كلويد ومنظمة "إندايت" وانطلقت أولا من مجلس العموم البريطاني وعقدت اجتماعها الثاني في فرنسا والثالث في الولايات المتحدة الأمريكية أما الرابع فكانت الجهود منصبة ومتواترة لعقده في مجلس الأمة الكويتي ولكن ولأسباب لم نتعرف على حقيقتها لم يتم عقد الاجتماع المنشود، وآخر منجزات تلك الحملة المباركة إصدار البرلمان الأوروبي بأغلبية ساحقة قرارا يطالب مجلس الأمن الدولي بتشكيل محكمة جرائم الحرب وإبادة الجنس وتدمير البيئة لمحاكمة صدام وعصابته· وما زالت دعوات المحاكمة ترتفع تارة وتنخفض أخرى حينما تم تسييس تلك القضية بشكل مثير للريبة والاستهجان والاشمئزاز بالرغم من توفر عشرات الأطنان من الوثائق المكتوبة والمرئية والمسموعة واندرجت هذه القضية كبضاعة ثمينة في سوق المساومات والسمسرة والصفقات ودهاليز السياسة وشياطينها وأحصنة طروادتها الأوغاد· لكن السياسة بريئة منهم، فالوزير الكامل أبي القاسم الحسين بن علي المغربي يعرف السياسات بأنها ثلاث: سياسة السلطان لنفسه وسياسته لخاصته والثالثة لرعيته، والسائس الفاضل عنده "إنما يصلح نفسه أولا ثم يصلح بسياستها خاصته وما يحملها عليه من الآداب الصالحة لرعيته فينشأ الصلاح على تدريج وتسود الاستقامة على تدريج" وابن خلدون هو أقرب لتصحيح المفهوم الميكافيلي للسياسة وللإنسان حين يبين في مقدمته: "إن الإنسان أقرب الى خلال الخير من خلال الشر بأصل فطرته وقوته الناطقة العاقلة·· فإن خلال الخير فيه هي التي تناسب السياسة والملك، إذ الخير هو المناسب للسياسة" وإذا راجعنا القواميس الموسوعية وجدناها تعرف السياسة بأنها: "الاضطلاع بالأمر بما يصلحه"· يقول الدكتور حسن صعب "إن أقدم ما عثرنا عليه في العربية من استعمال لكلمة السياسة هو في بيت للشاعرة الجاهلية الخنساء تصف فيه قومها فتقول: ومعاصم للهالكين وساسة قوم محاشد وتقصد الشاعرة بالساسة هنا، المدافعين، فتكون السياسة بهذا المفهوم العربي الجاهلي بمعنى الدفاع"· لكن أكثر ما يحز في النفس هو تذرع البعض بأوهام "عدم التدخل في الشؤون الداخلية" قافزين بذلك ومتجاوزين القانون الدولي الإنساني الذي يجيز التدخل الإنساني في شؤون الدول الداخلية، وهناك في التاريخ الكثير من تدخلات الدول في شؤون الدول الأخرى نذكر منها تدخل فرنسا عام 1827 لإنهاء الحرب بين تركيا واليونان وقرار مجلس الأمن الدولي 688 في 5/4/1991 الذي يطالب بوقف حملات الإبادة ضد السكان المدنيين في العراق والقرار 794 الخاص بالتدخل في الصومال والتدخل في يوغسلافيا وغيرها، والجرائم التي ارتكبها نظام صدام تدخل في نطاق جرائم الحروب والإبادة الجماعية للجنس وتدمير البيئة وجميعها جرائم يعاقب عليها القانون الدولي ومثبتة باتفاقيات وقوانين كاتفاقية عدم تقادم جرائم الحرب حيث اعتمدت الاتفاقية وعرضت للتوقيع والتصديق والانضمام بقرار الجمعية العامة 2391 (د - 23) المؤرخ في 26 - نوفمبر - 1968 وتاريخ بدء النفاذ 11 نوفمبر 1970، طبقا للمادة الثامنة واتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها والتي أقرت وعرضت للتوقيع والتصديق أو للانضمام بقرار الجمعية العامة 260 ألف (د - 3) المؤرخ في 9 ديسمبر (كانون الأول) 1948 وتاريخ بدء النفاذ 12 يناير (كانون الثاني) 1951 طبقا للمادة الثالثة عشرة· يقول الأستاذ فاضل ميراني: "بالرغم من حداثة مبدأ التدخل الإنساني في القانون الدولي وافتقاره الى المصادر شأن القانون الدولي نفسه، إلا أنه تطور عصري لمبادئ القانون الدولي المعاصر وتفسير لمواثيق الأمم المتحدة وحقوق الإنسان بشكله الذي يستجيب لتطلعات الشعوب عموما ··"· وفي كلمته أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة أثناء افتتاح الدورة 54 لسنة 1999 أعلن السيد كوفي عنان عن قواعد وشروط التدخل الإنساني بالشكل التالي: أولا: من الضروري أن يتدخل المجتمع الإنساني وبسرعة في دولة ما يتعرض عدد كبير من مواطني هذه الدولة للقتل والتعذيب والاضطهاد والتهجير أو حين تحدث في دولة ما انتهاكات واسعة النطاق ومنظمة لحقوق الإنسان تطال عددا كبيرا من المواطنين، يحدث التدخل حين تفشل سلطات الدولة في وضع حد لهذه الأعمال والمجازر والانتهاكات أو حين تمتنع عن وضع حد لها أو حينما تقوم بها وتنفذها· إن مثل هذا التدخل يحمل اسم (التدخل الإنساني)· ثانيا: يجب عدم التذرع بالسيادة الوطنية والاحتماء وراء هذه السيادة لمنع المجتمع الدولي من التدخل في دولة ما، حين ترتكب في هذه الدولة جرائم على نطاق واسع ضد السكان المدنيين حيث هناك حقوق إنسانية يجب حمايتها من قبل المجتمع الدولي بغض النظر عن الحدود وسيادة الدولة· ثالثا: أن المفهوم التقليدي الدقيق لسيادة الدول والذي يجرم التدخل في شؤونها الداخلية لم يعد ملبيا لتطلعات الشعوب للإفادة من الحريات الأساسية وصيانة حقوقها المشروعة، فالمجتمع الدولي لا يستطيع أن يتجاهل وقوع مجازر وعمليات قتل وكذلك انتهاكات واسعة لحقوق الإنسان في دولة ما حرصا منه على السيادة الوطنية لهذه الدولة واحتراما منها لها، الى آخره· وكمثال على الدول التي ترفض تقديم صدام وعصابته للمحاكمة وترفض مساعدة الدول للمعارضة العراقية وترفض تطبيق القرار 688 في 5/4/1991 فرنسا كتعبير عن التنكر والإساءة للثورة الفرنسية ومبادئها السامية وروادها العظام بحجة مبدأ السيادة وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول ونحن نذكرها بقول الفريد الوسيس هورن "إذا كان الله قد خلق مستعمرا أسوأ من المستعمر الفرنسي فإنه لم يطلعني عليه ولم يخبرني به··"!! وفي عام 1956 أصدر الكاتب الفرنسي (بيار هنري سيمون) كتابه (ضد التعذيب في الجزائر) وقدم للوثائق والشهادات التي أوردها الكتاب بقوله: "إنها باقة، لا من الزهور والآداب الإنسانية بل من الأشواك الدامية المخجلة·· ولئن بقي ثمة فرنسيون يشعرون بعد بالشرف، ككورناي ويبغي وبطهارة الجندي كفوفنارغ وبعظمة فرنسا كميشيله وبالرحمة كهوغو - فإنهم لا بد أن يحمروا خجلا إذ يقرأون هذه الشهادات التي أنقلها وأنا غاضب حد الألم··"· * * * وبعد فيا سيدي الفاضل تلك الحقائق غيض من فيض والمطلوب حملة وطنية وشعبية واسعة ومنظمة تقوم في كل من إيران والكويت لتقديم دعاوى قضائية فردية أو جماعية ضد صدام وعصابته من كل الذين تضرروا من سياسات صدام العمياء الكارثية، دعما للحملة الدولية والتي ستكلل في شهر مارس (آذار) المقبل بمؤتمر دولي في لندن تنظمه المعارضة العراقية من أجل تقديم صدام وعصابته الى المحاكمة، لكن أحدا لم يتحرك وبشكل جدي وعملي وحتى القضاة والمحامون ورجال القانون للقيام بمبادرات منظمة وعملية لدعم حملة "إندايت" ومن بين مئات القضاة لم يتقدم قاض واحد برفع دعوى لإلقاء القبض على صدام أو معاونيه وهم يتجولون بين دول العالم كما تقدم ذلك القاضي الأسباني الشريف حين أقام دعوى على دكتاتور تشيلي بينوشيه وتسبب في اعتقاله ببريطانيا ما عدا الأستاذ الكريم محسن المطيري المحامي الذي أعلن قبل سنوات مشروعا لإقامة دعاوى قضائية ضد صدام وعصابته لكن هذا المشروع - مع الأسف الشديد - لم ير النور وأجهض ذلك المشروع في مهده الطاهر· بل وحتى دعواتنا المتكررة التي نطالب بها زوار لندن من إيران والكويت للمشاركة في الاعتصام المستمر في ساحة الطرف الأغر مع إخوانهم العراقيين الذين يعتصمون هناك كل يوم سبت ومنذ تاريخ 28/12/1996 ولحد الآن وفي المستقبل أيضا حتى محاكمة صدام وعصابته ولكننا لم نسمع أن أحدا شارك وهم بالآلاف· وختاما شكرا للدكتور يعقوب محمد حياتي على وقوفه الى جانب محنة شعبنا العراقي وثورته الباسلة المظفرة ونحن متفائلون جدا بأن الداخل العراقي يشهد نهوضا لا نظير له وأصبح في قبضة المقاومة الإصلاحية والوطنية والشعبية وقوات العشائر الباسلة وأوساط واسعة من الجيش العراقي وعلى مدار الساعة يتساقط العشرات من رموز النظام المجرمين وتفجر أوكاره الأمنية والاستخباراتية السرية والعلنية وهناك بشائر تلوح في الأفق أن فجرا جديدا سينفجر في أية لحظة معلنا الخلاص من نظام القتلة· إن مرض صدام والصراع الشرس بين أفراد أسرته وعصابته والانفلات الأمني أصبحت حقائق جوهرية وعضوية صارخة رغم التعتيم الإعلامي البغيض عليها وانهماك النظام بشراء الضمائر والذمم وإهدار الثروات من أجل إبقائه على كرسي السلطة الباغية المستبدة ولكن هيهات· والله خير الناصرين |